د. لبنى فرح تكتب: سياسة باكستان تجاه أفغانستان خلال خمسة عقود
تقييم استراتيجي لإرث الماضي وخيارات المستقبل

على مدى ما يقرب من خمسة عقود، شكّلت أفغانستان أحد أكثر الملفات تأثيراً في السياسة الأمنية والاستراتيجية الباكستانية، ولا سيما منذ التحولات الإقليمية الكبرى التي شهدتها المنطقة في أواخر سبعينيات القرن الماضي. وخلال هذه الفترة، ارتبطت السياسة الباكستانية تجاه أفغانستان، في مراحل مختلفة، بدعم قوى مسلحة أفغانية كانت تُعرَف آنذاك باسم المجاهدين، في إطار الحسابات الأمنية والجيوسياسية المرتبطة بالحرب الأفغانية والتنافس الدولي في المنطقة.
ويرى منتقدون لهذه السياسة أن الاعتماد على الجماعات المسلحة كأداة لتحقيق أهداف استراتيجية قصيرة أو متوسطة المدى أسهم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في إنتاج بيئة أمنية معقدة امتدت آثارها إلى الداخل الباكستاني. كما يشيرون إلى أن بعض العناصر والجماعات التي نشطت في مراحل مختلفة من الصراع الأفغاني ارتبطت لاحقاً بأعمال عنف وتطرف وإرهاب، ما جعل تداعيات السياسة الإقليمية تتحول تدريجياً إلى تحدٍ أمني داخلي بالنسبة إلى باكستان.
وفي المقابل، ترى قراءات تاريخية واستراتيجية أخرى أن سياسات إسلام آباد خلال تلك المرحلة جاءت في سياق إقليمي ودولي شديد التعقيد، وأن باكستان كانت تتعامل مع تهديدات أمنية مباشرة على حدودها الغربية، فضلاً عن تأثير الحرب الباردة والتنافس بين القوى الكبرى.
الدعم الدولي ودور باكستان
لم تكن السياسة الباكستانية تجاه أفغانستان منفصلة عن البيئة الدولية المحيطة بها. فقد تلقت باكستان، خلال مراحل مختلفة، دعماً مالياً وسياسياً وعسكرياً من الولايات المتحدة ودول غربية وشركاء دوليين آخرين، خصوصاً في سياق الحرب الأفغانية ومواجهة النفوذ السوفييتي ثم، في مراحل لاحقة، في إطار مكافحة الإرهاب والأمن الإقليمي.
وقد ساهم هذا الدعم في تعزيز الدور الباكستاني باعتباره طرفاً رئيسياً في المعادلة الأفغانية. إلا أن العلاقة بين الدعم الخارجي والسياسة الأمنية الباكستانية أصبحت، مع مرور الوقت، موضع نقاش داخلي وخارجي واسع، خصوصاً مع ارتفاع كلفة الصراع على المجتمع والاقتصاد والأمن في باكستان.
فبينما حققت إسلام آباد في مراحل معينة مكاسب استراتيجية مرتبطة بعمقها الجغرافي والسياسي في أفغانستان، فإن النتائج بعيدة المدى كانت أكثر تعقيداً. إذ تحولت الحدود الغربية تدريجياً إلى إحدى أكثر مناطق الأمن حساسية، واستمرت مشكلة الجماعات المسلحة والنشاط الإرهابي في تشكيل تحدٍ للدولة الباكستانية.
من سياسة النفوذ إلى كلفة الأمن الداخلي
تكمن المفارقة الأساسية في السياسة الباكستانية تجاه أفغانستان في أن الأدوات التي استخدمت في مراحل تاريخية لتعزيز الأمن والنفوذ الإقليميين ساهمت لاحقاً في ظهور تحديات أمنية داخلية.
ومع تصاعد نشاط الجماعات المسلحة، اضطرت الدولة الباكستانية إلى تخصيص موارد كبيرة للعمليات العسكرية والأمنية وحماية الحدود ومواجهة الإرهاب، إلى جانب تحمل تكاليف اقتصادية واجتماعية واسعة.
وهنا يبرز السؤال الاستراتيجي الأهم: هل ما زالت الأدوات التي صيغت في سياق جيوسياسي مختلف تخدم المصالح الوطنية الباكستانية في الظروف الحالية؟
فالمعادلة الأمنية في جنوب آسيا تغيرت بصورة كبيرة خلال العقود الماضية. ولم تعد التحديات مقتصرة على المنافسة التقليدية بين الدول، بل أصبحت تشمل الإرهاب العابر للحدود، وأمن الحدود، والتجارة، والهجرة، والتنمية الاقتصادية، وإدارة المياه والطاقة، والاستقرار السياسي.
الحاجة إلى مراجعة استراتيجية
من منظور استراتيجي، لا تتمثل القضية في إعادة كتابة التاريخ بقدر ما تتمثل في استخلاص الدروس منه.
فالسياسات التي قد تحقق مكاسب تكتيكية في مرحلة معينة قد تصبح عبئاً استراتيجياً عندما تتغير البيئة الإقليمية. ولذلك تحتاج باكستان إلى تقييم شامل لإرث سياستها الأفغانية، بما في ذلك المكاسب التي تحققت، والتكاليف التي تحملتها، والنتائج غير المقصودة التي ظهرت على مدى العقود الماضية.
وتتطلب هذه المراجعة الابتعاد عن منطق تبادل الاتهامات السياسية، والتركيز بدلاً من ذلك على بناء سياسة أمن قومي واضحة تستند إلى المصالح الوطنية طويلة المدى.
تعزيز الرقابة المدنية والبرلمانية
أحد أهم عناصر أي مراجعة استراتيجية يتمثل في تعزيز الشفافية والتنسيق المؤسسي بين الحكومة والمؤسسات الأمنية والبرلمان والمجتمع.
ويفترض أن تخضع السياسات الكبرى المتعلقة بالأمن القومي والعلاقات مع دول الجوار لمستوى مناسب من الرقابة البرلمانية والمؤسسية، بما يضمن وضوح الأهداف وتحديد المسؤوليات وتقييم النتائج.
كما أن وجود استراتيجية وطنية طويلة المدى تجاه أفغانستان يمكن أن يساعد على تجاوز السياسات المتغيرة المرتبطة بالظروف السياسية أو الأمنية الآنية.
من الوكلاء إلى العلاقات بين الدول
التحول الأهم الذي تحتاجه السياسة الباكستانية يتمثل في الانتقال بصورة أكثر وضوحاً من الاعتماد على الجهات المسلحة أو غير الحكومية إلى العلاقات المباشرة بين الدول والمؤسسات الرسمية.
ويشمل ذلك تعزيز الحوار الدبلوماسي مع الحكومة الأفغانية، بغض النظر عن الخلافات السياسية، وتطوير آليات مستدامة لمعالجة قضايا الحدود والأمن والتجارة واللاجئين.
كما يتطلب ذلك تعزيز قدرات الدولة على حماية الحدود باستخدام المؤسسات الأمنية الرسمية، بدلاً من السماح للجهات المسلحة بأن تصبح أدوات بديلة لإدارة المصالح الأمنية.
الحدود والتنمية الاقتصادية
لا يمكن فصل الأمن الحدودي عن التنمية الاقتصادية. فالحدود المستقرة والآمنة يمكن أن تتحول من مصدر للتوتر إلى ممر للتجارة والاستثمار والتعاون الإقليمي.
ومن شأن تطوير المعابر الحدودية، وتنظيم حركة الأشخاص والبضائع، وتحسين البنية التحتية في المناطق الحدودية، وخلق فرص اقتصادية للسكان المحليين أن يقلل من البيئة التي تستفيد منها الجماعات المسلحة وشبكات التهريب.
كما أن تعزيز التجارة القانونية بين باكستان وأفغانستان يمكن أن يوفر مصالح مشتركة تشجع الطرفين على الحفاظ على الاستقرار بدلاً من استمرار التوتر.
المصالح الوطنية أولاً
إن إعادة تقييم السياسة الأفغانية لا تعني التخلي عن المصالح الأمنية الباكستانية أو تجاهل المخاطر القادمة من الحدود الغربية. بل تعني، على العكس، تطوير أدوات أكثر استدامة لحماية تلك المصالح.
فالأمن الوطني في القرن الحادي والعشرين لا يعتمد على القوة العسكرية وحدها، وإنما على مزيج من الأمن المؤسسي والدبلوماسية والتنمية الاقتصادية والاستقرار السياسي وحماية الحدود.
وبالتالي، فإن تعزيز القوات المسلحة والمؤسسات الأمنية يجب أن يترافق مع بناء مؤسسات مدنية قوية، واقتصاد قادر على تحمل الأزمات، وسياسة خارجية تقوم على المصالح الوطنية الواضحة.
لا حاجة إلى مزيد من الخطاب التصادمي
المطلوب في المرحلة المقبلة ليس فتح مواجهة سياسية جديدة حول الماضي، ولا تحويل ملف أفغانستان إلى أداة للصراع الداخلي، بل إجراء تقييم مؤسسي هادئ وصريح للسياسات السابقة.
وتحتاج باكستان إلى تحديد ما نجح وما فشل، وما الذي يمكن الاستفادة منه، وما الذي ينبغي التخلي عنه، ثم بناء استراتيجية جديدة تتلاءم مع الواقع الإقليمي الحالي.
فالاعتراف بالأخطاء المحتملة لا يعني إضعاف الدولة، بل يمكن أن يكون خطوة نحو تعزيز قدرتها على اتخاذ قرارات أكثر واقعية واستدامة.
الخلاصة
تكشف تجربة ما يقرب من خمسين عاماً من السياسة الباكستانية تجاه أفغانستان عن حقيقة استراتيجية أساسية: المكاسب قصيرة المدى لا يمكن أن تكون بديلاً دائماً عن الأمن المستدام.
لقد تغيرت البيئة الجيوسياسية التي نشأت فيها كثير من السياسات السابقة، كما تغيرت طبيعة التهديدات التي تواجه باكستان والمنطقة.
ومن ثم، فإن الخيار الأكثر واقعية أمام إسلام آباد يتمثل في إعادة تقييم إرث سياستها الأفغانية، وتعزيز الرقابة المدنية والبرلمانية، وتأمين الحدود، وتطوير العلاقات الرسمية مع كابل، ودعم التنمية الاقتصادية في المناطق الحدودية، وبناء سياسة إقليمية تستند إلى سيادة الدولة والمصالح الوطنية والاستقرار طويل المدى.
وفي النهاية، فإن نجاح السياسة الباكستانية الجديدة تجاه أفغانستان لن يقاس بمدى قدرتها على التأثير في الداخل الأفغاني، وإنما بقدرتها على حماية أمن باكستان، وتقليل العنف، وتعزيز الاقتصاد، وتحويل الحدود الغربية من مصدر دائم للتوتر إلى مجال للتعاون والاستقرار الإقليمي.



