
ما وراء أحدث وأهم التصريحات بشأن خارطة الطريق التي سينتهجها اتفاق مكة الدفاعي. والتي صرح بها وزير الخارجية الباكستاني أمس محمد إسحاق دار.
بداية نشير هنا إلى أن تصريحات إسحاق دار اليوم لا تبدو مجرد إعلان عن اجتماع دوري لحلف مكة؛ بل تكشف أن الاتفاق دخل مرحلة الاختبار الحقيقي: من الورق إلى بناء منظومة أمنية قادرة على التعامل مع تهديدات فعلية.
أولاً | السعودية هي نقطة الاختبار الأولى
تأكيد دار أن اجتماع اللجنة السياسية الدفاعية في الرياض سيركز على الهجمات الحوثية ضد السعودية يحمل دلالة واضحة.
اتفاق مكة وُقّع في أغسطس، وينص على أن الهجوم المسلح على أي طرف يُعامل باعتباره هجوماً على الأطراف الثلاثة. وبعد أسابيع فقط، أصبحت الهجمات على الأراضي والمنشآت السعودية أول اختبار عملي لهذا المبدأ.
بمعنى آخر:
الاختبار لم يعد: هل يوجد اتفاق؟
بل أصبح:
كيف سيتحول الاتفاق إلى آلية استجابة؟
وهذا يفسر لماذا اجتمع قادة الأركان في الرياض في 25 سبتمبر، ولماذا تتجه الدول الثلاث الآن إلى اجتماع أوسع يضم وزراء الخارجية والدفاع وقادة الجيوش.
ثانياً | أنقرة وإسلام آباد أمام مرحلة تحديد شكل الالتزام
اللافت أن الاتفاق لا يزال في طور بناء مؤسساته؛ فقد أعلنت باكستان تعيين أول أمين عام للاتفاق، مع إنشاء الأمانة العامة في الرياض.
كما أن الدول الثلاث تعمل على تشكيل اللجان ومجموعات العمل.
وهنا تكمن أهمية اجتماع الرياض:
قد يكون الاجتماع الذي يبدأ فيه الانتقال من التنسيق السياسي إلى تحديد آليات عملية للتعاون الدفاعي والاستخباري والأمني.
وهذا لا يعني بالضرورة قراراً بتدخل عسكري مباشر؛ فالمعلن حتى الآن هو بحث كيفية دعم السعودية في إطار الاتفاق، بينما تبقى تفاصيل الاستجابة العملية قيد التطوير.
ثالثاً | هرمز يدخل في المعادلة
إشارة دار إلى حرية الملاحة وعدم فرض رسوم عبور في مضيق هرمز ليست تفصيلاً اقتصادياً منفصلاً عن الملف الأمني.
باكستان كانت أصلاً منخرطة في جهود دبلوماسية مرتبطة بإعادة فتح المضيق، وسبق لدار أن أكد أن موقف إسلام آباد هو عودة الملاحة إلى وضعها السابق للأزمة، مع عدم فرض رسوم عبور خلال فترة التفاهمات.
وهنا تظهر الصورة الأوسع:
مكة → أمن السعودية → البحر الأحمر → باب المندب → الخليج → هرمز
أي أن الأمن الإقليمي لم يعد يُنظر إليه باعتباره ملفات منفصلة، بل كسلسلة مترابطة من الممرات والمصالح الاستراتيجية.
رابعاً | لماذا الحديث عن توسيع الاتفاق مهم؟
منذ توقيع الاتفاق، أكدت باكستان أن الإطار الدفاعي مفتوح من حيث المبدأ أمام دول تشترك في الالتزامات والمصالح الأمنية، مع بقاء أي طلب انضمام خاضعاً للتشاور بين الرياض وأنقرة وإسلام آباد.
لذلك فإن القضية الأهم ليست عدد الدول التي قد تنضم، وإنما:
من هي الدول التي يمكن أن تضيف قيمة فعلية إلى المنظومة؟
فالتوسع في أي تحالف دفاعي لا يتعلق بعدد الأعضاء فقط، بل بقدرتهم على الإسهام في الاستخبارات، الدفاع الجوي، أمن الملاحة، اللوجستيات، ومراقبة الممرات الاستراتيجية.
الخلاصة
تصريحات إسحاق دار تكشف أن السؤال الحقيقي لم يعد:
هل سيتوسع حلف مكة؟
بل:
كيف سيُبنى هذا الحلف قبل أن يواجه اختبارات أكبر؟
فالاجتماع المرتقب في الرياض يأتي في لحظة تتقاطع فيها ثلاثة ملفات:
أمن السعودية
أمن الممرات البحرية من البحر الأحمر إلى هرمز
إعادة تعريف التعاون الدفاعي بين القوى الإقليمية
ولهذا قد يكون اجتماع الرياض القادم أهم من مجرد اجتماع تنسيقي؛ لأنه سيعطي مؤشرات أولية على الشكل الذي ستتخذه منظومة الأمن الإقليمي الجديدة.



