
في تطور قانوني واستراتيجي بالغ الأهمية في النزاع المائي بين الهند وباكستان، أكدت محكمة التحكيم الدائمة في لاهاي استمرار سريان معاهدة مياه السند، رافضةً الأساس القانوني لتعليقها أو إنهائها بصورة أحادية، بالتزامن مع استمرار القيود المرتبطة ببعض الأعمال في مشروع راتلي للطاقة الكهرومائية في منطقة كشمير الخاضعة للإدارة الهندية.
ويمثل القرار تطوراً مهماً في واحدة من أكثر القضايا ارتباطاً بالأمن القومي الباكستاني، نظراً إلى الدور الحيوي الذي تؤديه مياه حوض السند في الزراعة والاقتصاد والأمن المائي للبلاد.
تأكيد قانوني لاستمرار المعاهدة
أكدت المحكمة أن معاهدة مياه السند ما تزال نافذة، وأن الالتزامات المترتبة عليها مستمرة، بما يعزز الإطار القانوني الدولي الذي يحكم تقاسم مياه الأنهار بين البلدين.
ويشكل هذا الموقف تحدياً قانونياً لموقف نيودلهي التي أعلنت في أعقاب هجوم باهالغام في أبريل/نيسان 2025 تعليق تنفيذ المعاهدة، في خطوة ربطتها الهند بالتطورات الأمنية والسياسية مع باكستان.
وبموجب التفسير الذي قدمته المحكمة، لا يتيح الإطار القانوني للمعاهدة لأي طرف تعليق الالتزامات الناشئة عنها بصورة منفردة، ما يعني أن الخلافات المتعلقة بالمياه والمشاريع الكهرومائية تظل خاضعة للآليات القانونية والفنية المنصوص عليها في الاتفاقية.
مشروع راتلي تحت القيود
وفي الجانب المتعلق بالمشاريع الكهرومائية، أبقت المحكمة على القيود المرتبطة ببعض أعمال مشروع راتلي، إلى حين استكمال المسار الفني والقانوني المتعلق بمدى توافق المشروع مع أحكام معاهدة مياه السند.
وتكتسب هذه النقطة أهمية استراتيجية لباكستان، إذ ترتبط الخلافات بين البلدين منذ سنوات بتصميم وتشغيل عدد من المشاريع الهندية على الأنهار الغربية، ولا سيما ما يتعلق بالتخزين، وتدفقات المياه، وآليات تشغيل المنشآت الكهرومائية.
ويعني استمرار إخضاع هذه المشاريع للمراجعة القانونية والفنية أن قدرة الهند على تنفيذ بعض الإجراءات محل النزاع لا يمكن فصلها عن الالتزامات والقيود التي تفرضها المعاهدة.
باكستان: المعاهدة تمثل إطاراً قانونياً ملزماً
ورحبت إسلام آباد بالقرار، معتبرةً أنه يعزز موقفها القانوني القائم على استمرار نفاذ معاهدة مياه السند وضرورة معالجة الخلافات من خلال الآليات المنصوص عليها فيها.
وأكدت باكستان أن المعاهدة ليست مجرد ترتيب سياسي بين البلدين، بل إطار قانوني دولي ينظم حقوق استخدام مياه الأنهار وآليات تسوية النزاعات، الأمر الذي يجعل الحفاظ عليها جزءاً أساسياً من منظومة الأمن المائي الوطني.
كما يمثل القرار، من المنظور الباكستاني، تأكيداً على ضرورة إخضاع المشاريع الكهرومائية محل النزاع للتقييم الفني والقانوني، بدلاً من اتخاذ إجراءات أحادية قد تؤثر في مصالح الطرف الآخر.
الهند ترفض اختصاص المحكمة
في المقابل، رفضت الهند قرار المحكمة، مجددةً موقفها الرافض للاختصاص الذي تستند إليه الهيئة التحكيمية في النظر بالقضية.
وأكدت نيودلهي أنها لا تعترف بالإجراءات التحكيمية التي جرت في هذا المسار، معتبرةً أن الهيئة شُكّلت بصورة غير قانونية، كما تمسكت بموقفها السابق بشأن تعليق معاهدة مياه السند.
ويكشف ذلك عن استمرار فجوة جوهرية بين المسار القانوني الذي تتبناه المحكمة والموقف السيادي الهندي، الأمر الذي يجعل القرار مهماً من الناحية القانونية، لكنه لا ينهي بصورة تلقائية المواجهة السياسية بين البلدين حول إدارة الموارد المائية.
المياه.. بُعد جديد للأمن القومي
تتجاوز أهمية النزاع مشروع راتلي، لتصل إلى البنية الأوسع للأمن المائي في جنوب آسيا.
فمعاهدة مياه السند، الموقعة عام 1960 برعاية البنك الدولي، قسمت استخدام مياه الأنهار الرئيسية في حوض السند بين الهند وباكستان، ومنحت باكستان الحقوق الأساسية في الأنهار الغربية، وهي السند وجهلم وتشيناب، مع السماح للهند باستخدامها في مجالات محددة، من بينها توليد الطاقة الكهرومائية، وفق شروط فنية وقانونية محددة.
ومن ثم، فإن أي تغيير جوهري في آليات تنفيذ المعاهدة أو في قدرة أحد الطرفين على التحكم في تدفقات المياه يحمل أبعاداً تتجاوز الخلاف الفني حول مشروع منفرد، ويمس مباشرةً الحسابات الاقتصادية والأمنية والاستراتيجية في المنطقة.
تداعيات استراتيجية على مشاريع كشمير
ويضع القرار مشاريع الطاقة الكهرومائية الهندية محل النزاع أمام اختبار قانوني وفني أكثر صرامة، خصوصاً في ظل اعتماد باكستان الكبير على مياه حوض السند في الزراعة وإمدادات المياه والاقتصاد الوطني.
وفي هذا السياق، فإن استمرار المعاهدة، وفقاً لتفسير المحكمة، يعني بقاء القيود القانونية التي تحكم تصميم وتشغيل المشاريع الهندية على الأنهار الغربية، ويمنح باكستان أساساً قانونياً للاستمرار في الاعتراض على أي إجراءات ترى أنها تتعارض مع أحكام الاتفاقية.
لكن رفض الهند للاختصاص القضائي للمحكمة يبقي المواجهة مفتوحة، ويجعل مستقبل النزاع مرتبطاً بدرجة كبيرة بالتطورات السياسية والأمنية بين البلدين.
الخلاصة الاستراتيجية
يمثل قرار لاهاي تطوراً قانونياً مهماً في معركة الأمن المائي بين الهند وباكستان؛ فقد أكدت المحكمة استمرار نفاذ معاهدة مياه السند وضرورة الاحتكام إلى آلياتها القانونية والفنية، بالتزامن مع استمرار القيود المرتبطة بمشروع راتلي.
وبالنسبة إلى باكستان، يعزز القرار الموقف القائل إن ملف مياه السند يجب أن يبقى ضمن إطار قانوني دولي واضح، بعيداً عن القرارات الأحادية.
أما بالنسبة إلى الهند، فإن رفضها اختصاص المحكمة وتمسكها بموقفها من تعليق المعاهدة يعني أن التطور القانوني لن يؤدي بالضرورة إلى إنهاء الأزمة،
بل قد ينقلها إلى مرحلة أكثر تعقيداً تتداخل فيها القانون الدولي، والأمن المائي، والمشاريع الكهرومائية، والمصالح الاقتصادية، والحسابات العسكرية والاستراتيجية بين دولتين نوويتين.
وعليه، فإن معاهدة مياه السند لم تعد مجرد اتفاقية لتقاسم الموارد المائية، بل أصبحت أحد الملفات المركزية في معادلة الأمن الاستراتيجي بين نيودلهي وإسلام آباد.



