
لارايب إحسان
متى تفقد السيادة شرعيتها القانونية والأخلاقية؟ لا يمنح القانون الدولي الدول سلطة مطلقة على الشعوب، لا سيما في الأراضي المتنازع عليها.
بل يفرض التزامات واضحة على الحكومات باحترام حقوق الإنسان، وإقامة العدل، وإتاحة الفرصة للشعوب للمشاركة في تقرير مصيرها.
ويتجلى هذا التوتر بوضوح في جامو وكشمير المحتلة من قبل الهند، حيث لا تزال تصرفات الهند تثير مخاوف جدية بشأن الامتثال للقانون الدولي وحماية الحقوق الأساسية.
النزاع في كشمير قضية قانونية
لا يقتصر النزاع في كشمير على كونه خلافًا سياسيًا بين الهند وباكستان، بل هو في جوهره قضية قانونية متجذرة في حق تقرير المصير.
فمنذ عام ١٩٤٧، اعترفت الأمم المتحدة بالإقليم كمنطقة متنازع عليها.
ومن خلال قرار مجلس الأمن الدولي رقم ٤٧، وضع المجتمع الدولي إطارًا واضحًا: أن يقرر شعب كشمير مستقبله عبر استفتاء حر ونزيه.
وبعد مرور أكثر من سبعين عامًا، لا يزال هذا الالتزام القانوني معلقًا، مما يثير تساؤلات جدية حول مصداقية القانون الدولي نفسه.
إلغاء المادة 370
بمرور الوقت، وبدلاً من التوجه نحو حل سياسي، شهدت المنطقة تزايداً في العسكرة والمركزية القانونية.
وشكّل إلغاء المادة 370 في أغسطس/آب 2019 من قبل حكومة حزب بهاراتيا جاناتا (BJP) نقطة تحول.
فقد أنهى هذا القرار الحكم الذاتي المحدود لجامو وكشمير المحتلة، وأخضعها للسيطرة الفيدرالية المباشرة.
وبينما وصفت الحكومة الهندية هذه الخطوة بأنها نحو الاندماج والتنمية،
إلا أن أسلوب التنفيذ، الذي اتسم بالاعتقالات الجماعية، وانقطاع الاتصالات، والانتشار الكثيف للقوات، أثار قلقاً واسعاً.
أدت السياسات الأمنية التي تم تطبيقها بعد عام ٢٠١٩ إلى توسيع نطاق سيطرة الدولة.
ويقدَّم ما يوصف بعقيدة دلهي الأمنية “ذات الركائز السبع” على أنه إطار عمل لتحقيق الاستقرار.
إلا أنه في الواقع، يشبه ما يصفه العديد من المراقبين بـ”قضبان قفص حديدي”، إذ يمتد نطاق المراقبة والقيود ليشمل كل جانب تقريبًا من جوانب الحياة المدنية.
وتخضع الحركة والتواصل والتعبير السياسي لمراقبة دقيقة، مما يحد من مساحة الحياة المدنية الطبيعية.
التكلفة البشرية لهذا النهج باهظة
بحسب تقارير قسم الأبحاث في وكالة أنباء كشمير، قتلت القوات الهندية، بما فيها الجيش والوحدات شبه العسكرية وقوات حرس الحدود ومجموعة العمليات الخاصة والشرطة، أكثر من 1056 كشميريًا منذ 5 أغسطس/آب 2019، بينهم 22 امرأة على الأقل.
ويشير التقرير نفسه إلى إصابة 2661 شخصًا على الأقل بجروح خطيرة جراء استخدام بنادق الخرطوش والغاز المسيل للدموع وغيرها من أشكال القوة ضد المتظاهرين والمدنيين.
ورغم أن السلطات الهندية تشكك في هذه الأرقام، إلا أن المراقبين يستشهدون بها على نطاق واسع لتسليط الضوء على حجم الانتهاكات.
بموجب القانون الدولي، يجب أن يخضع استخدام القوة من قبل سلطات الدولة لمعايير صارمة من حيث الضرورة والتناسب.
ويضمن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الحق في الحياة، وحرية التعبير، والتجمع السلمي.
ويثير الاستخدام المفرط أو العشوائي للقوة ضد المدنيين مخاوف قانونية خطيرة، ويستدعي المساءلة.
قوانين سيئة السمعة
ومما يثير القلق أيضاً الإطار القانوني الذي يدعم هذه الإجراءات. فقوانين مثل قانون السلامة العامة وقانون منع الأنشطة غير المشروعة تمنح القوات الهندية صلاحيات واسعة، بما في ذلك الاعتقال دون مذكرة توقيف والاحتجاز المطوّل دون محاكمة.
وقد انتقدت منظمات حقوق الإنسان هذه الأحكام لتقويضها الإجراءات القانونية الواجبة وتمكينها ثقافة الإفلات من العقاب.
آسيا أندرابي
يجسّد احتجاز آسيا أندرابي المطوّل هذه المشكلة بوضوح. فقد أمضت ناشطة سياسية تبلغ من العمر 64 عامًا،
ومؤسسة منظمة «دوختاران ملت» «بنات الأمة»، أكثر من 15 عامًا في السجن بتهمٍ من بينها “شنّ حربٍ على الدولة” و”التآمر المتعلق بالإرهاب”.
ويستشهد النقاد بقضيتها على نطاق واسع كمثالٍ على كيفية استخدام قوانين مكافحة الإرهاب، ولا سيما قانون الأنشطة غير المشروعة (الوقاية)، لقمع المعارضة السياسية.
وقد أثارت التعريفات المبهمة للقانون وشروط الكفالة التقييدية مخاوف جدية بشأن الحق في محاكمة عادلة، وتضاؤل مساحة المعارضة.
القانون الدولي الإنساني
إلى جانب قانون حقوق الإنسان، يعدّ القانون الدولي الإنساني ذا صلة أيضاً في حالات النزاعات المطوّلة والوجود العسكري المكثف.
وتضع اتفاقية جنيف الرابعة معايير واضحة لحماية المدنيين. ويستدعي حجم العمليات العسكرية والادعاءات المتكررة بوقوع أضرار على المدنيين في جامو وكشمير المحتلة استمرار التدقيق القانوني في إطار هذه المعايير الدولية.
في غضون ذلك، لا يزال الوضع على الأرض هشاً. تظهر حوادث مثل هجوم باهالجام في أبريل 2025 أن عدم الاستقرار لا يزال يهيمن على الحياة في المنطقة.
وبينما تصوَّر هذه الأحداث غالباً في سياق مكافحة الإرهاب، فإنها تبرز أيضاً فشل السياسات القائمة في تحقيق سلام دائم.
ويبقى المدنيون الضحايا الرئيسيين، يعيشون بين الخوف وعدم اليقين وقلة الفرص.
حق تقرير المصير
في جوهرها، لا يقتصر النزاع في كشمير على الأرض فحسب، بل يتعداه إلى العدالة والحقوق ومصداقية القانون الدولي نفسه.
فالمبادئ القانونية كحق تقرير المصير، والكرامة الإنسانية، والحماية من تعسف سلطة الدولة، ليست انتقائية، بل هي مبادئ عالمية.
ومع ذلك، عندما تبقى هذه المبادئ غير مطبقة في حالات مثل جامو وكشمير المحتلة، وفي أماكن أخرى كفلسطين،
حيث يستمر الصراع الممتد والمسائل القانونية العالقة رغم عقود من الاهتمام الدولي، يصبح من المستحيل تجاهل الفجوة بين القانون والواقع.
وكل حالة تفشل فيها الأمم المتحدة في ضمان المساءلة تضعف الثقة العالمية في النظام الذي أنشئت لحمايته.
♦♦♦
الكاتبة عضو في منظمة «هيل باكستان»، وهي مبادرة تعنى بتعزيز الإنسانية والتعليم والتوعية والقيادة بالتعاون مع معهد كشمير للعلاقات الدولية.



