
– السياق: أزمة متشعبة في ثلاثة محاور
لا يمكن فهم ما أدلى به رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف بمعزل عن ثلاثة مسارات متداخلة شكّلت الإطار الذي نشأت فيه هذه التصريحات:
المسار الأول – حرب باكستان والهند (مايو 2025):
اندلع توتر عسكري حاد بين البلدين النوويين إثر هجوم “بهالغام”. أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وساطةً أمريكية أفضت إلى وقف كامل وفوري لإطلاق النار، في مفاجأة أربكت المراقبين الدوليين، لا سيما أن نائب الرئيس جيه دي فانس كان قد صرّح قبل أيام بأن الولايات المتحدة لن “تتورط” في نزاع يعدّه “شأناً داخلياً” بين البلدين. وفي المقابل، بادر شهباز شريف إلى الإشادة العلنية بـ”قيادة ترامب ودوره الاستباقي” في تيسير وقف إطلاق النار، فضلاً عن شكره لفانس ووزير الخارجية الأمريكي.
المسار الثاني – الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران (فبراير 2026 وما بعده):
حين انطلقت الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير 2026، وجدت باكستان نفسها في قلب الأزمة. تبنّت إسلام آباد سياسة الحياد الرسمي، فأدانت الهجمات على إيران كما أدانت الهجمات الإيرانية على دول الخليج، وأطلقت جهود وساطة مكوكية مكثفة بين واشنطن وطهران.
المسار الثالث – الشراكة الاستراتيجية السعودية الباكستانية:
في سبتمبر ٢٠٢٦، وقّع ولي العهد الأمير محمد بن سلمان ورئيس الوزراء شهباز شريف “اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك” التي تنصّ على اعتبار أي عدوان على إحدى الدولتين عدواناً على الأخرى، ما رسّخ أساساً متيناً للتنسيق في الأزمات المقبلة.
ولي العهد السعودي: الدور المحوري
تظهر الوقائع الموثقة أن الدبلوماسية السعودية أدّت دوراً محورياً في كلا المساريّن الباكستاني الهندي والأمريكي الإيراني.
على صعيد التوتر الهندي الباكستاني:
أشار رئيس حزب الشعب الباكستاني بيلاوال بوتو صراحةً إلى الدور المزدوج للولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية في تحقيق التفاهم الذي أنهى المواجهة العسكرية.
على صعيد التوتر الأمريكي الإيراني:
مهّدت سلسلة من التحركات الدبلوماسية النشطة التي قادتها السعودية على مدى عشرة أيام لإعلان وقف إطلاق النار المؤقت بين الولايات المتحدة وحلفائها وإيران، إذ أجرت الرياض ثماني جولات من المشاورات مع الأطراف المعنية. ومن أبرز هذه التحركات الاتصال الهاتفي الذي جمع محمد بن سلمان مع شهباز شريف، إلى جانب مباحثات بين وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان ونظيره الباكستاني إسحاق دار.
وفي أبريل 2026، توّجت الزيارة التي أداها شريف إلى جدة هذا التنسيق. بحث ولي العهد مع شريف مستجدات الأوضاع في المنطقة والمحادثات الأمريكية الإيرانية التي تستضيفها باكستان، مع التأكيد على أهمية مواصلة الجهود الدبلوماسية الرامية لإعادة الاستقرار. كما نوّه محمد بن سلمان بجهود رئيس الوزراء الباكستاني والمشير عاصم منير قائد قوات الدفاع.
– شهباز شريف يُشيد: التصريحات الكاملة
جاءت إشادة شريف على مراحل متتالية، تعكس تصاعداً تدريجياً في الاعتراف العلني بهذه الجهود:
في نيويورك، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة (سبتمبر 2025):
أشاد شهباز شريف بالدعم الدبلوماسي المقدم من كل من السعودية والإمارات وقطر وتركيا والصين وأذربيجان وإيران والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، مجدداً ترشيح باكستان للرئيس ترامب لجائزة نوبل للسلام.
في خضم أزمة الوساطة الإيرانية (أبريل ٢٠٢٦):
قال شريف في منشور رسمي: “أصالةً عن نفسي، وبالنيابة عن المشير سيد عاصم منير، أتوجه بخالص التقدير إلى فخامة الرئيس ترامب على استجابته لطلبنا تمديد وقف إطلاق النار، بما يتيح استمرارية المسار الدبلوماسي ويمنح الجهود الجارية الفرصة اللازمة لتحقيق تقدم ملموس.
وعلى الرغم من هذه الإشادة العلنية بترامب، كشفت وقائع الوساطة أن المملكة العربية السعودية كانت العامل الخفي الذي مكّن باكستان من الوصول إلى البيت الأبيض في اللحظة الحاسمة.
– آلية الإقناع: كيف أُقنع ترامب بـ”تعليق” العملية العسكرية؟
تكشف المصادر المتقاطعة أن مسار الإقناع سلك قناتين متوازيتين:
القناة الأولى – المسار العسكري المباشر:
فتح المشير عاصم منير قناةً مباشرة مع البيت الأبيض، وزار واشنطن مرتين، كما مدّت باكستان علاقات مع شخصيات مقربة من إدارة ترامب عبر ارتباطات تجارية تشمل عائلة ويتكوف.
القناة الثانية – الوساطة السعودية:
أكدت باكستان خلال الاتصالات المكثفة دعمها الكامل للمملكة في مواجهة التهديدات التي تمس أمنها وسيادتها، مما أعطى الرياض ثقلاً إضافياً في دعم الطلب الباكستاني أمام ترامب.
والنتيجة: كتب ترامب عبر منصة “تروث سوشيال”:
“بناءً على طلب كل من المشير عاصم منير ورئيس الوزراء شهباز شريف من باكستان، فقد طُلب منا تعليق هجومنا على إيران إلى حين تمكّن قادتها من التوصل إلى مقترح موحد.”
مسودة الاتفاق: المحطات والملامح
قدّمت باكستان خطة هدنة من مرحلتين مدتها 45 يوماً، تشمل وقفاً فورياً لإطلاق النار وإعادة فتح مضيق هرمز خلال 15 إلى 20 يوماً، تمهيداً لتسوية شاملة. وفي 26 مارس 2026، أكد وزير الخارجية الباكستاني أن الولايات المتحدة شاركت إيران مسودةً من 15 نقطة عبر باكستان، تتضمن التزامات بشأن البرنامج النووي الإيراني وتقييد الصواريخ الباليستية وإعادة فتح مضيق هرمز.
ثم في ١١ أبريل ٢٠٢٦م، انعقدت الجولة الأولى من “محادثات إسلام آباد”، مع تحديد جولة ثانية نحو نهاية أبريل.
الاستراتيجية
ما يجري أمامنا هو تموضع استراتيجي متقن لثلاثة أطراف:
باكستان تحوّلت من دولة شبه معزولة إلى وسيط دولي بالغ الأهمية، مستثمرةً موقعها الجغرافي وعلاقاتها مع طهران وعلاقتها المتجددة مع البيت الأبيض.
المملكة العربية السعودية عمّقت نفوذها بأداء دور “المُيسّر الصامت” الذي يمنح الإجراءات الدبلوماسية الباكستانية غطاءً إقليمياً وشرعيةً لدى واشنطن.
الولايات المتحدة وجدت في باكستان جسراً ملائماً للتحدث مع إيران دون انتهاك مبدأ التفاوض المباشر في المرحلة الأولى من الأزمة.
حذّر المحللون من المبالغة في البُعد الشخصي لهذه الوساطة، مشيرين إلى أنها “لم تُبنَ على الشخصيات وحدها، بل استندت إلى توافق مؤسسي بين القيادة المدنية والعسكرية الباكستانية وانخراط مستدام مع واشنطن على مدى أكثر من عام.
خلاصة: إشادة شهباز شريف بولي العهد الأمير محمد بن سلمان ليست مجرد مجاملة دبلوماسية، بل هي اعتراف بمعادلة جديدة في منطقة يعيد فيها تحالف الرياض وإسلام آباد رسم الخريطة الدبلوماسية لأزمات تمتد من جنوب آسيا إلى الخليج ومضيق هرمز.



