كشميرمقالات

سجلٌّ الوعود الكاذبة والعدالة غير المكتملة في كشمير المحتلة

د. غلام نبي فاي

لو كان للوعود أن تخلف، لكانت كشمير خير شاهد على ذلك. قلّما شهدت مناطق في التاريخ الحديث نمطاً متواصلاً من الوعود التي تُقطع وتُعلن رسمياً أمام العالم، ثم تنبذ في صمت.

إن قصة كشمير ليست مجرد نزاع حدودي، بل هي سجلٌّ للخيانة يمتد عبر الإمبراطوريات والحكومات والمؤسسات الدولية.

تكمن جذور هذه المأساة في معاهدة أمريتسار، حين باعت الإمبراطورية البريطانية كشمير وشعبها للمهراجا غولاب سينغ كما لو كانوا سلعًا.

الدكتور غلام نبي فاي
الدكتور غلام نبي فاي

وقد مهّد هذا التصرف الذي يخدم المصالح الإمبريالية الطريق لمستقبلٍ تخضع فيه إرادة الشعب الكشميري مرارًا وتكرارًا للمصالح السياسية.

في ظل الحكم الأميري، أصبحت كشمير أرضًا متناقضة، غنية بالثقافة والتعددية الروحية، لكنها مثقلة بالقمع.

عانى السكان ذوو الأغلبية المسلمة من تمييز ممنهج، وضرائب باهظة، وإقصاء سياسي.

وعندما اندلعت الاحتجاجات، قُمعت بوحشية، لا سيما في عام 1931 عندما قُتل 22 متظاهرًا سلميًا بالرصاص.

قوبلت هذه المظالم المبكرة بلامبالاة من قِبل القوة الاستعمارية التي ادعت “مهمة حضارية”، مما شكل أولى وعود كثيرة نكثت.

لم يضف انتهاء الحكم البريطاني في عام 1947 وضوحًا، بل زاد من حدة الخيانة.

خيار الانضمام

عندما تم منح الإمارات الأميرية خيار الانضمام إلى الهند أو باكستان، أو البقاء مستقلة،

كان المبدأ التوجيهي، الذي صاغه قادة من بينهم جواهر لال نهرو، هو أن إرادة الشعب يجب أن تسود في القضايا المتنازع عليها.

وكانت كشمير، بأغلبيتها المسلمة وحاكمها الهندوسي، الحالة المثالية لاختبار هذا المبدأ. ولكن عندما حانت اللحظة، تبدد ذلك الوعد. فقد أدى

التدخل العسكري الهندي في أكتوبر 1947، وما تلاه من مناشدة للأمم المتحدة، إلى صدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم 47، في 21 أبريل 1948،

والذي دعا إلى استفتاء لتحديد مستقبل كشمير.

وقد أكد نهرو هذا الالتزام علنًا، وحظي بتأييد دولي. ولكن مع تغير الواقع السياسي، تغير موقف الهند أيضًا.

وما كان يعتبر ممارسة ديمقراطية أصبح التزامًا مؤجلًا إلى أجل غير مسمى.

تجاهل القضية الأساسية لكشمير

بمرور الوقت، ترسخ هذا النمط: فقد تم التخلي باستمرار عن الالتزامات التي قطعت بحسن نية، أو على الأقل ظاهرياً.

فمن اتفاقية طشقند عام 1966 إلى اتفاقية سيملا عام 1972 وإعلان لاهور عام 1999، حملت كل مساعٍ دبلوماسية وعداً بحوار جاد حول كشمير.

إلا أن كل منها انتهى إلى طريق مسدود، مع تأجيل أو تجاهل القضية الأساسية لكشمير.

شكّل تآكل الحكم الذاتي نقطة تحوّل أخرى. لم يكن إلغاء المادتين 370 و35أ في عام 2019 مجرد إجراء دستوري،

بل اعتبره الكثيرون بمثابة التفكيك النهائي حتى للحكم الذاتي الرمزي.

وتبع ذلك تغييرات جذرية – إدارية وديموغرافية وسياسية – زادت من عزلة السكان المحليين وزادت من حدة القلق الدولي.

الخيانات المتراكمة

اليوم، باتت عواقب هذه الخيانات المتراكمة وخيمة. لا تزال كشمير من أكثر المناطق عسكرة في العالم.

وقد وثّقت منظمات مثل هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية مزاعم انتهاكات حقوق الإنسان، من قتل خارج نطاق القضاء واختفاء قسري واعتقالات تعسفية.

ويثير استمرار احتجاز قادة سياسيين، مثل محمد ياسين مالك وشبير أحمد شاه ومسار عالم بهات، ونشطاء حقوقيين، مثل خرم برويز وآسيا أندرابي وصوفي فهميدة وناهدة نسرين،

وصحفيين، مثل عرفان مهراج، بموجب قوانين صارمة كقانون الأنشطة غير المشروعة ومنعها، تساؤلات جدية حول مساحة المعارضة والتعبير الديمقراطي.

كشمير نزاع لم يتم حسمه

ومما يثير القلق أيضاً صمت المجتمع الدولي، أو بالأحرى انخراطه الانتقائي.

فبينما يتحول الاهتمام العالمي بسرعة من أزمة إلى أخرى، تبقى كشمير نزاعاً لم يتم حسمه بعد، وله تداعيات نووية.

وحتى اعترافات قادة العالم، بمن فيهم الرئيس دونالد ترامب في 10 مايو/أيار 2025، بأن كشمير لا تزال بؤرة توتر بين الهند وباكستان، لم تترجم إلى تحرك دبلوماسي مستدام.

ومع ذلك، يعلّمنا التاريخ أن الصراعات المتجذرة في انتهاك الحقوق نادراً ما تتلاشى؛ بل تستمر حتى تعالج.

والدرس المستفاد من صراعات أخرى -من جنوب أفريقيا إلى أيرلندا الشمالية- واضح: لا يمكن بناء سلام دائم على القمع أو الإنكار.

بل يجب أن يقوم على الحوار والشمول واحترام إرادة الشعب.

ثمة مؤشرات خافتة على احتمال تحول الحوار العالمي.

فالدعوات المتجددة للحوار والدبلوماسية الإقليمية والوساطة الدولية -وإن كانت مؤقتة- توحي بأن الوضع الراهن غير مستقر وغير قابل للاستمرار.

ويجب أن يشمل المسار المستقبلي جميع الأطراف المعنية: الهند وباكستان، والأهم من ذلك، ممثلي الشعب الكشميري أنفسهم.

فقد طال أمد الحديث عن كشمير بدلاً من الحوار معها.

نقض الوعود

إن مأساة كشمير لا تكمن فقط في نقض الوعود، بل في نقضها مراراً وتكراراً، عن علمٍ ودون أي عواقب.

إن استعادة الثقة تتطلب أكثر من مجرد الكلام، بل تتطلب شجاعةً وصدقاً واستعداداً لمواجهة الحقائق المؤلمة.

إلى ذلك الحين، ستبقى كشمير كما كانت عليه منذ زمن طويل: تذكيراً بأن العدالة المتأخرة ليست مجرد عدالة منقوصة، بل هي جرح يستمر في التعمق مع مرور الوقت.

سمير زعقوق

كاتب صحفي، وباحث في شئون شبه قارة جنوب آسيا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى