أخبارسلايدر

 في ظل تبادل تصريحات غير مسبوقة.. خلافات علنية داخل الحكومة الباكستانية

تصريحات متبادلة بين خواجة آصف ومحسن نقوي وعبد العليم خان تثير نقاشاً حول مستقبل الائتلاف والإصلاحات الإدارية

إسلام آباد – تقرير تحليلي

تتصاعد حدة النقاشات السياسية داخل الحكومة الباكستانية، في ظل تبادل تصريحات غير مسبوقة بين عدد من كبار الوزراء، كان أبرزهم وزير الدفاع خواجة محمد آصف، ووزير الداخلية محسن نقوي، ووزير الاتصالات عبد العليم خان، في وقت تشهد فيه البلاد نقاشاً متزايداً حول مستقبل النظام السياسي، وطبيعة العلاقة بين المؤسسات، ومقترحات إعادة هيكلة الوحدات الإدارية.

وأثارت هذه التصريحات اهتمام الأوساط السياسية والإعلامية، بعدما كشفت عن تباين واضح في وجهات النظر بشأن آليات إدارة الدولة، ودور المؤسسات، وسبل تنفيذ الإصلاحات، إلا أنها لم تصل حتى الآن إلى مستوى الخلاف الذي يهدد تماسك الائتلاف الحاكم أو يشير إلى وجود ترتيبات رسمية لتغيير الحكومة.

خواجة آصف: النظام القائم سيستمر

أكد وزير الدفاع خواجة محمد آصف أن النظام السياسي الحالي، الذي يُوصف في الخطاب السياسي الباكستاني بـ”النظام الهجين”، سيواصل عمله خلال المرحلة المقبلة، معتبراً أنه يمثل الإطار الأنسب لمعالجة التحديات المتراكمة وتصحيح أخطاء التجارب السابقة.

وقال إن معالجة الملفات الوطنية الكبرى تتطلب توافقاً بين القيادات السياسية والعسكرية، مشيراً إلى ضرورة عقد اجتماع يضم الرئيس آصف علي زرداري، ورئيس الوزراء شهباز شريف، والمشير عاصم منير، إلى جانب عدد من القيادات السياسية، بهدف وضع رؤية مشتركة للمرحلة المقبلة.

وأضاف أن القوى السياسية تتفق على العديد من الملفات الوطنية، إلا أن الخلاف يتمثل في تحمل المسؤوليات السياسية، معتبراً أن المؤسسة العسكرية تتحمل جانباً كبيراً من الأعباء بينما تستمر القوى السياسية في تبادل الانتقادات.

رد على تصريحات محسن نقوي

وفي تعليقه على تصريحات وزير الداخلية محسن نقوي بشأن أداء النظام السياسي، أوضح خواجة آصف أن تلك التصريحات تعبر عن وجهة نظر شخصية، لافتاً إلى أن المدير العام للعلاقات العامة للجيش كان قد أوضح أيضاً أن هذه الآراء لا تمثل موقفاً رسمياً للمؤسسة العسكرية.

وأشار وزير الدفاع إلى أن محسن نقوي كان جزءاً من المنظومة الحاكمة خلال السنوات الثلاث والنصف الماضية، معتبراً أن انتقاد النظام يفرض أيضاً مراجعة لدور جميع المسؤولين المشاركين في إدارته.

كما انتقد ما وصفه بتناقض الخطاب السياسي، قائلاً إن الحكومات كثيراً ما تُسند إلى القوات المسلحة مسؤوليات تتعلق بالأمن الداخلي والسياسة الخارجية وإدارة الأزمات، ثم توجه إليها انتقادات بسبب تدخلها في هذه الملفات.

هجوم سياسي على عبد العليم خان

وفي موقف اتسم بحدة غير معهودة، دعا خواجة آصف وزير الاتصالات عبد العليم خان إلى الاستقالة من الحكومة إذا كان لا يتفق مع سياساتها، والانتقال إلى صفوف المعارضة.

كما طالبه بإعلان التضامن مع المتضررين من مشاريع الإسكان المقامة على ضفاف نهر راوي، مؤكداً أن العمل السياسي يتطلب قدراً أكبر من تحمل المسؤولية والالتزام الأخلاقي تجاه المواطنين.

عبد العليم خان يجدد الدعوة لإعادة هيكلة الأقاليم

في المقابل، تمسك عبد العليم خان بمقترحه الداعي إلى إنشاء وحدات إدارية جديدة، مؤكداً أن المشروع يهدف إلى تطوير الإدارة وتحسين الخدمات العامة، وليس إلى تغيير الحدود التاريخية أو الهوية الثقافية للأقاليم.

ويقترح المشروع تقسيم كل من البنجاب والسند وخيبر بختونخوا وبلوشستان إلى ثلاث وحدات إدارية (شمال، وسط، جنوب)، مع الإبقاء على أسماء الأقاليم الحالية.

ويرى أن هذه الخطوة ستؤدي إلى رفع كفاءة المؤسسات الحكومية، وتسريع تقديم الخدمات، وتعزيز المساءلة، وتحقيق توزيع أكثر عدالة للموارد، إلى جانب تقريب مؤسسات الدولة من المواطنين وتخفيف الأعباء الإدارية عن الحكومات المحلية.

وأكد أن الانتقال من الجدل السياسي إلى الإصلاح الإداري يمثل، من وجهة نظره، خطوة ضرورية لتعزيز التنمية المتوازنة وتقوية وحدة الدولة.

حزب الشعب: البرلمان وحده يملك القرار

من جانبه، شدد الأمين العام لحزب الشعب الباكستاني، نيّر حسين بخاري، على أن إنشاء أقاليم جديدة يخضع لنصوص الدستور ولا يمكن تنفيذه عبر تصريحات سياسية أو قرارات تنفيذية.

وأوضح أن أي تعديل في الحدود الإدارية يتطلب موافقة ثلثي أعضاء الجمعية الإقليمية المعنية، وثلثي أعضاء الجمعية الوطنية، وثلثي أعضاء مجلس الشيوخ، داعياً الحكومة إلى إحالة أي مشروع بهذا الشأن إلى البرلمان إذا كانت جادة في المضي به.

كما دعا رئيس الوزراء شهباز شريف إلى التشاور مع رئيس حزب الشعب بلاول بوتو زرداري بشأن هذا الملف، مؤكداً أن الحزب سيحدد موقفه وفق الدستور وإرادة المواطنين.

إشادة بالدبلوماسية.. وتحذير اقتصادي

وفي جانب آخر، أشاد نيّر بخاري بما وصفه بالنجاحات الدبلوماسية التي حققتها باكستان خلال الفترة الأخيرة، مثنياً على أدوار المشير عاصم منير، ورئيس الوزراء شهباز شريف، ونائب رئيس الوزراء إسحاق دار، ووزير الداخلية محسن نقوي.

لكنه شدد في الوقت نفسه على أن نجاح السياسة الخارجية ينبغي أن ينعكس على الواقع الاقتصادي والمعيشي، مؤكداً أن الحكومة ستُقيَّم في نهاية المطاف بناءً على قدرتها على تحسين الاقتصاد وتخفيف الضغوط عن المواطنين.

مصطفى كمال يؤيد إنشاء وحدات إدارية جديدة

وأعلن وزير الصحة مصطفى كمال دعمه لمقترح إنشاء وحدات إدارية جديدة، معتبراً أن هذه الخطوة ستسهم في تحسين الخدمات الصحية، وتقريب المؤسسات الحكومية من المواطنين، وتعزيز الحكم المحلي، ورفع كفاءة توزيع الموارد، بما يدعم استقرار الاتحاد الباكستاني.

وأضاف أن تقليص المسافات الإدارية بين المواطنين ومراكز صنع القرار من شأنه تسريع الإجراءات وتقليل البيروقراطية.

قراءة في المشهد السياسي

تكشف التصريحات الأخيرة عن وجود تباينات واضحة في الرؤى بين عدد من مكونات الحكومة بشأن طبيعة النظام السياسي، وحدود الإصلاح الإداري، وآليات اتخاذ القرار، إلا أن هذه الخلافات ما تزال تدور ضمن الإطار السياسي والإعلامي.

وحتى الآن، لا توجد مؤشرات رسمية على انهيار الائتلاف الحاكم أو قرب إجراء تغيير في رئاسة الوزراء، كما لم تصدر أي خطوات دستورية أو سياسية تشير إلى إعادة تشكيل الحكومة.

وفي المقابل، يرى مراقبون أن استمرار تبادل التصريحات العلنية بين الوزراء قد يزيد من الضغوط على الحكومة، ويفرض على قيادات الائتلاف بذل جهود أكبر للحفاظ على تماسكه خلال المرحلة المقبلة.

الخلاصة

تعكس التطورات الأخيرة حراكاً سياسياً متسارعاً داخل الحكومة الباكستانية، يتمحور حول مستقبل النظام السياسي، والعلاقة بين المؤسسات، ومقترحات إعادة هيكلة الوحدات الإدارية.

وبينما تكشف التصريحات عن اختلافات في الرؤى بين بعض أركان السلطة، فإنها لا تشكل، في الوقت الراهن، دليلاً على وجود أزمة دستورية أو صراع رسمي على منصب رئيس الوزراء.

ويبقى مستقبل هذه الملفات مرتبطاً بالتوافق السياسي، والالتزام بالإجراءات الدستورية، ومدى قدرة الائتلاف الحاكم على إدارة خلافاته الداخلية وتحويلها إلى مسار مؤسسي يعزز الاستقرار السياسي والإداري في البلاد.

د. لبنى فرح

أكاديمية، إعلامية، ومحللة سياسية باكستانية، متخصصة في شؤون جنوب آسيا، مترجمة وأدبية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى