سلايدرطريق الحرير

ذهب بدخشان يشعل صراعاً داخل حركة طالبان أفغانستان

صراع النفوذ والثروة يختبر تماسك الحركة في شمال شرق البلاد

بدخشان – أفغانستان | تحليل سياسي

تتصاعد مؤشرات التوتر داخل حركة طالبان في ولاية بدخشان شمال شرقي أفغانستان، وسط صراع متشابك على النفوذ المحلي والسيطرة على موارد الذهب، في تطور يكشف عن احتكاك متزايد بين السلطة المركزية وشبكات القوى المحلية.

وتأتي الأزمة في أعقاب أشهر من التوتر بين قيادة طالبان وأنصار القائد البارز جمعة خان فاتح، الذي احتفظ بنفوذ عسكري واجتماعي في بدخشان رغم انتقاله إلى منصب إداري خارج الولاية. وتحدثت تقارير محلية خلال الأشهر الماضية عن اعتقالات ونزع سلاح مقاتلين موالين له، إلى جانب محاولات لإعادة ترتيب موازين القوى في المناطق الحدودية والنائية من الولاية.

الذهب.. عنوان الصراع الحقيقي

وراء الخلاف الأمني والسياسي تقف ثروة طبيعية شديدة الحساسية: مناجم الذهب في بدخشان.

فالذهب لا يمثل في هذه المنطقة مجرد مورد اقتصادي، بل يرتبط مباشرة بالنفوذ المحلي والقدرة على تمويل شبكات الولاء واستقطاب المقاتلين وتعزيز الاستقلالية عن المركز. ولذلك فإن أي محاولة من قيادة طالبان لإعادة تنظيم التعدين أو احتكار عائداته يمكن أن تصطدم بمصالح قادة محليين راكموا نفوذاً حول هذه الموارد.

وتشير التقارير إلى أن الخلاف حول عمليات استخراج الذهب أصبح أحد أبرز عناصر التوتر بين السلطات المركزية وبعض القوى المحلية، بما يجعل المعركة الاقتصادية جزءاً من صراع أوسع على من يمتلك القرار الفعلي في بدخشان.

جمعة خان فاتح… اختبار لسلطة المركز

تمثل قضية جمعة خان فاتح اختباراً حساساً لقدرة قيادة طالبان على ضبط مراكز النفوذ التي نشأت خلال سنوات الحرب.

فالقادة المحليون الذين امتلكوا مقاتلين وشبكات اجتماعية ومصالح اقتصادية قبل عودة طالبان إلى السلطة لا يتحولون بالضرورة إلى مجرد موظفين في جهاز مركزي بمجرد تغير السلطة. ومن هنا تأتي حساسية محاولة نزع سلاح القوات المرتبطة بهم أو إعادة توزيع الموارد التي كانت تشكل أساس نفوذهم.

وفي مايو، تحدثت تقارير عن ترتيبات لنزع سلاح مقاتلين موالين لفاتح ومغادرته منطقة دارواز، قبل أن تظهر لاحقاً مؤشرات على احتواء الخلاف من خلال ترتيبات سياسية داخل الحركة. وفي يوليو، أفادت تقارير بعودته إلى دارواز بعد تجديد تعهده بالولاء لطالبان، في ما بدا محاولة لتجنب مواجهة مباشرة بين أجنحة الحركة.

حادثة الاحتجاز… شرارة محتملة

وتكتسب التقارير الأخيرة بشأن وفاة أحد أقارب فاتح بعد احتجازه حساسية خاصة، إذا تأكدت من مصادر مستقلة.

فوقوع وفاة في سياق احتجاز شخصية مرتبطة بقائد نافذ يمكن أن يحول خلافاً سياسياً واقتصادياً إلى أزمة ثقة، وربما إلى مواجهة ذات طابع شخصي وقبلي ومسلح.

لكن من الضروري التمييز بين ما هو موثق وما يزال في إطار الادعاءات المحلية؛ إذ لا تتوافر حتى الآن، بحسب المعلومات المتاحة، أدلة مستقلة كافية تسمح بالجزم بملابسات الوفاة أو تحميل جهة محددة مسؤوليتها.

هل بدأت الانقسامات الداخلية بالظهور؟

من الخطأ النظر إلى أزمة بدخشان باعتبارها مجرد نزاع على منجم ذهب. القضية الأعمق هي العلاقة بين المركز والأطراف داخل نظام طالبان.

فكلما حاولت القيادة المركزية إحكام السيطرة على الموارد الطبيعية وإعادة تنظيم القوى المسلحة المحلية، زادت احتمالات اصطدامها بمصالح قادة يتمتعون بنفوذ ميداني مستقل.

وهنا تكمن المفارقة: فطالبان وصلت إلى السلطة باعتبارها حركة عسكرية موحدة، لكنها تواجه بعد استقرارها في الحكم تحدياً مختلفاً يتمثل في تحويل شبكة واسعة من الولاءات العسكرية والمحلية إلى نظام مركزي منضبط.

الذهب كاختبار سياسي

تمتلك بدخشان أهمية تتجاوز ثروتها المعدنية. فهي منطقة جبلية وحدودية ذات تركيبة اجتماعية وأمنية معقدة، ما يجعل السيطرة على مواردها مرتبطة بصورة مباشرة بالسيطرة على الأرض والسكان وشبكات النفوذ.

ولهذا فإن نجاح القيادة المركزية في إدارة ملف الذهب بطريقة موحدة واحتواء القادة المحليين سيكون مؤشراً على قدرتها على إدارة بقية المناطق الغنية بالموارد.

أما فشلها في ذلك، فقد يشجع قوى محلية أخرى على التمسك بمصالحها الاقتصادية والأمنية، ويحوّل الخلافات الفردية إلى نمط أوسع من التنافس داخل الحركة نفسها.

الخلاصة

ما يجري في بدخشان ليس حرباً على الذهب فحسب، بل اختبار حقيقي لمدى تماسك سلطة طالبان من الداخل.

فالذهب يوفر المال، والمال يعزز النفوذ، والنفوذ يحتاج إلى قوة تحميه؛ ومن هنا يمكن أن يتحول نزاع اقتصادي محدود إلى صراع سياسي وأمني أوسع.

وفي حال تمكنت قيادة طالبان من احتواء الأزمة عبر التسويات وإعادة تنظيم التعدين ونزع السلاح بصورة تدريجية، فقد تبقى بدخشان مجرد أزمة داخلية قابلة للإدارة.

أما إذا انهارت قنوات التفاوض وتصاعدت عمليات الاعتقال والحشد المسلح والانتقام، فقد تصبح الولاية نموذجاً مبكراً لصراع أكثر خطورة بين سلطة المركز وشبكات النفوذ المحلية داخل طالبان.

فالخطر الحقيقي لا يكمن في الذهب نفسه، وإنما في القوة التي يمنحها لمن يسيطر عليه.

د. لبنى فرح

أكاديمية، إعلامية، ومحللة سياسية باكستانية، متخصصة في شؤون جنوب آسيا، مترجمة وأديبة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى