
الملخص التنفيذي
تكشف عملية «العزم» التي تنفذها القوات المسلحة الباكستانية في إقليم بلوشستان عن تحول واضح في العقيدة الأمنية للدولة، من سياسة الاحتواء والرد على الهجمات إلى استراتيجية استباقية تعتمد على العمليات الاستخباراتية الدقيقة والضربات الموجهة لتفكيك البنية العسكرية واللوجستية للجماعات المسلحة.
ويؤكد الإعلان الرسمي عن مقتل 16 مسلحًا خلال أحدث مراحل العملية أن الحملة الأمنية ليست إجراءً ميدانيًا مؤقتًا، بل جزء من خطة وطنية طويلة الأمد تهدف إلى استعادة السيطرة الكاملة على المناطق المتأثرة، وتجفيف مصادر التهديد، وتعزيز الأمن والاستقرار في الإقليم.
الخلفية الأمنية
تُعد بلوشستان أكبر أقاليم باكستان مساحةً وأكثرها أهمية من الناحية الجيوسياسية، إذ تتقاطع فيها الحدود مع إيران وأفغانستان، كما تضم ميناء غوادر الاستراتيجي، الذي يمثل محورًا رئيسيًا في مشروع الممر الاقتصادي الصيني–الباكستاني (CPEC).
وتواجه السلطات في الإقليم تحديات أمنية متداخلة تشمل:
1- نشاط الجماعات المسلحة والانفصالية.
2- الهجمات الإرهابية ضد المدنيين وقوات الأمن.
3- تهريب الأسلحة والمخدرات عبر الحدود.
4- استهداف البنية التحتية والمشروعات الاقتصادية.
5- محاولات زعزعة الاستقرار وإضعاف سلطة الدولة.
لذلك أصبحت بلوشستان محورًا رئيسيًا في الاستراتيجية الأمنية الباكستانية.
دوافع إطلاق عملية «العزم»
جاءت العملية عقب تصاعد الهجمات المسلحة، ومن أبرزها:
1- استهداف حافلة مدنية على طريق كويتا–كراتشي.
2- الهجوم على مركز شرطة سد مانجي.
3- تزايد عمليات الخطف والاغتيال.
4- تصاعد الاعتداءات على قوات الأمن.
وترى القيادة الباكستانية أن هذه الهجمات استهدفت تقويض سلطة الدولة وعرقلة المشروعات الاقتصادية والتنموية الكبرى، الأمر الذي استدعى إطلاق عملية أمنية واسعة النطاق.
الأهداف العسكرية للعملية
تركز العملية على تحقيق مجموعة من الأهداف الاستراتيجية، أبرزها:
1- تفكيك البنية العسكرية للجماعات المسلحة عبر تدمير المعسكرات والمخابئ ومستودعات الأسلحة.
2- استهداف القيادات وشبكات الدعم من خلال عمليات استخباراتية دقيقة ضد مراكز القيادة والتمويل والإسناد اللوجستي.
3- منع إعادة التنظيم عبر استمرار الضغط العملياتي وحرمان الجماعات من إعادة الانتشار.
4- حماية المشروعات الاستراتيجية وفي مقدمتها الممر الاقتصادي الصيني–الباكستاني والمنشآت الحيوية.
5- ترسيخ سيادة الدولة من خلال تعزيز الانتشار الأمني في المناطق التي شهدت نشاطًا مسلحًا.
التقييم العسكري
تعتمد العملية على نموذج عملياتي حديث يجمع بين: المعلومات الاستخباراتية الدقيقة والقوات الخاصة والطائرات المسيّرة ووسائل الاستطلاع والتنسيق بين الجيش والشرطة وأجهزة الاستخبارات.
ويهدف هذا النهج إلى رفع كفاءة العمليات، وتقليل الخسائر المدنية، وزيادة دقة استهداف العناصر المسلحة.
البعد السياسي
تحمل العملية رسائل سياسية متعددة، أبرزها:
1- تأكيد وحدة الموقف بين القيادة السياسية والعسكرية.
2- طمأنة الرأي العام بشأن قدرة الدولة على فرض الأمن.
3- تعزيز ثقة المستثمرين في استقرار المشروعات الوطنية.
4- التأكيد على استمرار مكافحة الإرهاب باعتبارها أولوية وطنية.
البعد الإقليمي
تأتي العملية في ظل بيئة إقليمية معقدة ترتبط بـ:
1- أمن الحدود مع أفغانستان.
2- أمن الحدود مع إيران.
3- حماية طرق الملاحة في بحر العرب.
4- تأمين الممرات التجارية الإقليمية.
كما تواصل الحكومة الباكستانية اتهام بعض الجهات الخارجية بدعم جماعات مسلحة في بلوشستان، بينما تنفي الهند هذه الاتهامات، ولا توجد أحكام أو قرارات قضائية دولية تثبت تلك المزاعم.
في المواقف الرسمية
تعكس تصريحات كل من: رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف والمشير عاصم منير ووزير الداخلية محسن نقوي ورئيس وزراء بلوشستان مير سرفراز بوغتي.
وجود توافق مؤسسي على مواصلة العمليات حتى تقليص قدرة الجماعات المسلحة على تنفيذ هجمات داخل الإقليم وتعزيز الأمن والاستقرار.
التحديات القائمة
رغم التقدم الميداني، لا تزال العملية تواجه عدة تحديات، من أبرزها:
1- الطبيعة الجغرافية الوعرة لبلوشستان.
2- الامتداد الحدودي الواسع.
3- احتمال لجوء الجماعات إلى تكتيكات حرب العصابات.
4- ضرورة حماية المدنيين أثناء العمليات.
5- أهمية استكمال الجهد الأمني بخطط تنموية وخدمية لتعزيز الاستقرار طويل الأمد.
السيناريوهات المحتملة
نجاح تدريجي: استمرار العمليات مع تراجع وتيرة الهجمات وتحسن المؤشرات الأمنية تدريجيًا.
تصعيد متبادل: لجوء الجماعات المسلحة إلى تنفيذ هجمات نوعية أو انتحارية في محاولة لإثبات استمرار قدرتها على العمل.
استنزاف طويل الأمد: استمرار المواجهة الأمنية لفترة ممتدة مع تحقيق مكاسب تدريجية دون حسم سريع، نتيجة تعقيدات البيئة الجغرافية وطبيعة التهديدات
الخلاصة الاستراتيجية
تمثل عملية «العزم» محطة جديدة في تطور السياسة الأمنية الباكستانية، إذ تعكس انتقال الدولة إلى مرحلة أكثر اعتمادًا على العمليات الاستباقية والاستخباراتية في مواجهة الجماعات المسلحة.
وتؤكد القيادة السياسية والعسكرية أن مكافحة الإرهاب ستظل أولوية وطنية، إلا أن تحقيق استقرار مستدام في بلوشستان يتطلب،
إلى جانب النجاح العسكري، مواصلة برامج التنمية الاقتصادية، وتحسين الخدمات العامة، وتعزيز الحوكمة وسيادة القانون،
بما يعالج العوامل التي قد تسهم في استمرار عدم الاستقرار، ويعزز الأمن والتنمية على المدى البعيد.



