أخبارسلايدر

بلوشستان.. تصاعد الضربات الاستباقية وتفكيك الخلايا المسلحة ضمن «ردّ الفتن-3»

تواصل قوات الأمن الباكستانية تكثيف عملياتها الاستباقية في إقليم بلوشستان، في إطار حملة أمنية تقول إسلام آباد إنها تستند بصورة متزايدة إلى المعلومات الاستخباراتية والاستهداف الدقيق للخلايا المسلحة ومخازن الأسلحة وشبكات الإمداد، بهدف إحباط الهجمات قبل انتقالها إلى مرحلة التنفيذ.

وفي أحدث التطورات، تحدثت تقارير عن سقوط مسلحين في عمليات منفصلة داخل الإقليم، ولا سيما في مناطق خاران وبسيمة، مع ضبط أسلحة وذخائر ومواد مرتبطة بتصنيع العبوات الناسفة.

وتبرز أهمية التطورات الأخيرة في أنها لا تقتصر على استهداف أفراد مسلحين، وإنما تمتد إلى ما تصفه السلطات بالبنية العملياتية للخلايا، بما يشمل المخابئ ووسائل التسليح والتجهيز.

من خاران إلى بسيمة.. ضغط أمني متواصل

في خاران، أفادت مصادر أمنية بمقتل سبعة مسلحين في عملية بمنطقة لجاي، ضمن حملة «ردّ الفتن-3».

وفي عملية منفصلة بمنطقة كِلي زائِك قرب بسيمة، أفادت المصادر بمقتل مسلحين اثنين وإصابة ثلاثة آخرين، إلى جانب ضبط ذخائر وقنابل يدوية ومواد قالت السلطات إنها تستخدم في تصنيع العبوات الناسفة.

وتكتسب هذه العمليات أهمية إضافية لأنها تشير إلى تحول تدريجي من التعامل مع الهجوم بعد وقوعه إلى محاولة ضرب الخلية في مرحلة الإعداد والتجهيز.

حرب على «منظومة الهجوم»

الهدف الأمني الأوسع يبدو مرتبطاً بتفكيك سلسلة العمليات بأكملها:

تجنيد → تمويل → تسليح → نقل → تخزين → تصنيع المتفجرات → تنفيذ الهجوم.

وبهذا المنظور، فإن ضبط المواد المتفجرة ومعدات تصنيع العبوات لا يمثل مجرد مصادرة للأسلحة، بل محاولة لتعطيل قدرة الخلايا على إنتاج هجمات مستقبلية.

كما أن استهداف المخابئ وشبكات الإمداد قد يكون أكثر تأثيراً على المدى الطويل من التركيز على المواجهات المباشرة وحدها، إذا نجحت الأجهزة الأمنية في منع إعادة تشكيل الخلايا بعد انتهاء العمليات.

لا ينبغي الخلط مع عمليات مستونغ السابقة

ومن المهم تحريرياً الفصل بين العمليات الأخيرة في خاران وبسيمة وبين العمليات التي جرت في مستونغ وواشك في وقت سابق من أغسطس.

فقد أعلنت المؤسسة العسكرية الباكستانية في وقت سابق عن عمليات أسفرت عن مقتل مسلحين في مستونغ وواشك ضمن «ردّ الفتن-3»، لكن إدراج تلك الحصيلة ضمن أخبار 17 أغسطس سيعطي انطباعاً خاطئاً بأنها عملية جديدة.

كما أن التطورات في سراب تعود إلى 12 أغسطس؛ حيث قالت السلطات الباكستانية إن قواتها قتلت 10 مسلحين، فيما أدى انفجار سيارة مفخخة بصورة مبكرة أثناء تجهيزها إلى مقتل ثمانية مسلحين وثلاثة مدنيين، وفق ما نقلته وكالة أسوشيتد برس.

الاستخبارات في قلب المعركة

اللافت في نمط العمليات الأخيرة هو تنامي أهمية المعلومات الاستخباراتية في تحديد الأهداف.

فبدلاً من الاعتماد فقط على الانتشار العسكري الواسع، تقوم المعادلة الأمنية على تحديد موقع الخلية أو مخزن السلاح أو نقطة التجمع ثم تنفيذ عملية مركزة.

وتشمل هذه المنظومة، بحسب طبيعة العمليات المعلنة، مراقبة التحركات، المعلومات المحلية، تتبع شبكات الإمداد، تحديد المخابئ، وتحليل الاتصالات والروابط بين العناصر المسلحة.

وهذا يعني أن المعركة في بلوشستان تتحول بصورة متزايدة إلى صراع على المعلومات بقدر ما هي صراع على الأرض.

القراءة السياسية

سياسياً، تسعى إسلام آباد من خلال هذه العمليات إلى تثبيت ثلاث رسائل:

أولاً: أن الدولة تريد إحباط الهجمات في مرحلة التحضير بدلاً من انتظار وقوعها.

ثانياً: أن نطاق العمليات الأمنية يتجاوز المراكز الحضرية ليصل إلى المناطق التي تقول السلطات إن الخلايا تستخدمها للتخفي وإعادة التنظيم.

ثالثاً: أن المؤسسة الأمنية تريد استعادة زمام المبادرة أمام الجماعات المسلحة ومنعها من تحويل العمليات المتفرقة إلى حملة أوسع ومنظمة.

وتستخدم السلطات الباكستانية مصطلح «فتنة الهندستان» عند الإشارة إلى جماعات مسلحة تقول إنها مرتبطة بدعم هندي.

وينبغي صحفياً نسب هذا الوصف والاتهام بوضوح إلى السلطات الباكستانية، وعدم تقديمه باعتباره حقيقة مستقلة محسومة، في ظل نفي الهند لهذه الاتهامات.

البعد الإقليمي

ولا تقتصر أهمية أمن بلوشستان على البعد الداخلي؛ فالإقليم يمثل منطقة استراتيجية بسبب موقعه الحدودي، وموانئه، وممراته التجارية، ومشروعات البنية التحتية والاستثمارات الصينية.

وقد استهدفت الجماعات المسلحة في بلوشستان في السنوات الماضية قوات الأمن ومدنيين ومصالح صينية ومشروعات للبنية التحتية، ما يجعل الاستقرار الأمني عاملاً مؤثراً في الاستثمار وحركة النقل والمشروعات الإقليمية.

الخلاصة

تشير التطورات الأخيرة إلى أن حملة «ردّ الفتن-3» تتجه نحو تفكيك القدرة العملياتية للخلايا المسلحة وليس فقط ملاحقة منفذي الهجمات.

فالهدف الأمني يتدرج من استهداف العناصر إلى تعطيل مخازن السلاح، ومصادرة المواد المتفجرة، وضرب شبكات الإمداد ومراكز التجهيز.

لكن الاختبار الحقيقي لنجاح هذه الاستراتيجية لن يكون في عدد المسلحين الذين يُقتلون في كل عملية، بل في قدرة الدولة على خفض وتيرة الهجمات، تفكيك شبكات التجنيد والتمويل، ومنع الخلايا من إعادة إنتاج نفسها.

ومن هنا، فإن المعركة في بلوشستان تدخل مرحلة أكثر تعقيداً: من مطاردة المسلحين إلى محاولة تفكيك منظومة الهجوم بأكملها.

د. لبنى فرح

أكاديمية، إعلامية، ومحللة سياسية باكستانية، متخصصة في شؤون جنوب آسيا، مترجمة وأديبة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى