أخبارسلايدر

باكستان تكثّف تحركاتها الدفاعية والدبلوماسية لاحتواء التصعيد مع إيران

تكثّف باكستان تحركاتها الأمنية والدفاعية والدبلوماسية في الخليج، في وقت تشهد فيه المنطقة توتراً متصاعداً على خلفية الأزمة بين إيران والولايات المتحدة،

بالتزامن مع تحركات وساطة تقودها سلطنة عمان بهدف تثبيت التهدئة ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة عسكرية أوسع.

وتأتي تحركات إسلام آباد في توقيت بالغ الحساسية، مع بقاء أمن الخليج والملاحة الدولية والطاقة في صدارة المخاوف الإقليمية،

فيما تحاول الأطراف المعنية إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة رغم استمرار التوتر وانعدام الثقة.

وتبرز في هذا السياق زيارة قائد الجيش الباكستاني، المشير عاصم منير، إلى السعودية،

باعتبارها جزءاً من تحرك أمني ودفاعي أوسع يهدف إلى تعزيز التنسيق مع دول الخليج، ومناقشة تداعيات التطورات الإقليمية على أمنها واستقرارها.

تحرك عسكري ودبلوماسي متوازٍ

لا تقتصر المقاربة الباكستانية على الاتصالات السياسية، بل تجمع بين التنسيق الدفاعي، والردع، والاتصال الدبلوماسي، ودعم جهود خفض التصعيد.

وتدرك إسلام آباد أن أي توسع في دائرة الصراع الإيراني–الأميركي ستكون له انعكاسات مباشرة على أمن الخليج،

وأسواق الطاقة، وحركة الملاحة، فضلاً عن مصالحها الاقتصادية والبشرية الواسعة في المنطقة.

ومن هذا المنطلق، تتحرك باكستان باتجاه تعزيز التعاون الأمني مع شركائها الخليجيين،

مع الحرص في الوقت نفسه على عدم تحويل هذا التعاون إلى اصطفاف عسكري يستهدف إيران بصورة مباشرة.

وتمنح هذه المعادلة إسلام آباد مساحة للتحرك بين طرفي الأزمة:

دعم أمن شركائها الخليجيين من جهة، والإبقاء على قنوات الاتصال مع طهران من جهة أخرى.

السعودية في قلب التحرك

تحتل السعودية موقعاً محورياً في التحرك الباكستاني، في ظل التطور اللافت في العلاقات الدفاعية بين الرياض وإسلام آباد.

ويعكس التعاون الدفاعي بين البلدين انتقال العلاقة الأمنية إلى مستوى أكثر استراتيجية،

خصوصاً في ظل البيئة الأمنية المتغيرة في الخليج والتهديدات المحتملة التي قد تطال المنشآت الحيوية والممرات البحرية ومصادر الطاقة.

وتأتي زيارة عاصم منير إلى السعودية في هذا الإطار، لتؤكد الدور المتنامي للتنسيق العسكري بين البلدين في إدارة المخاطر الأمنية الإقليمية.

كما تسعى باكستان إلى توسيع دائرة التنسيق مع دول خليجية أخرى، من بينها الكويت، بما يعزز قدرة دول المنطقة على التعامل المشترك مع أي تداعيات أمنية محتملة.

الردع دون الانزلاق إلى الحرب

اللافت في المقاربة الباكستانية هو الجمع بين تعزيز الردع والدفع نحو التهدئة.

فإسلام آباد لا تبدو راغبة في الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران، لكنها في الوقت نفسه تؤكد أهمية حماية أمن شركائها الخليجيين ومصالحهم الاستراتيجية.

وهنا تبرز أهمية التحرك العسكري الباكستاني؛ فالردع لا يعني بالضرورة الاستعداد للحرب،

وإنما يمكن أن يكون وسيلة لمنع الحرب عبر رفع كلفة أي تهديد محتمل وتعزيز قدرة الشركاء على حماية أراضيهم ومنشآتهم وممراتهم الحيوية.

ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة تحركات عاصم منير باعتبارها جزءاً من دبلوماسية عسكرية تسعى إلى إدارة الأزمة وليس توسيعها.

مسقط ومضيق هرمز

يتقاطع التحرك الباكستاني مع المسار الذي تقوده سلطنة عُمان في محاولة احتواء التوتر بين إيران والولايات المتحدة.

وكانت إيران قد أعلنت أن مفاوضاتها مع سلطنة عُمان بشأن التطورات المرتبطة بمضيق هرمز دخلت مراحلها النهائية.

وقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن المحادثات بين طهران ومسقط “تمضي نحو صيغتها النهائية، وتمر بمراحلها الأخيرة”.

من جانبه، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إن المحادثات مع سلطنة عُمان ثنائية، موضحاً أن البحث عن آلية تضمن المصالح الإيرانية بدأ منذ فترة.

وأكد بقائي أن المسار التفاوضي لا يعني تلقائياً اتخاذ قرار بفتح مضيق هرمز أو إبقائه مغلقاً، مشيراً إلى أن المحادثات المتعلقة بالمضيق لا ترتبط بصورة مباشرة بقرار فتحه أو إغلاقه.

وتكتسب هذه التصريحات أهمية خاصة، لأن مضيق هرمز يمثل أحد أهم الممرات الاستراتيجية للطاقة والتجارة العالمية،

وأي اضطراب طويل الأمد في الملاحة عبره ستكون له تداعيات تتجاوز دول الخليج إلى الاقتصاد العالمي.

باكستان بين طهران والخليج

تواجه إسلام آباد معادلة استراتيجية شديدة الحساسية.

فهي ترتبط بشراكات دفاعية وأمنية عميقة مع السعودية ودول الخليج، وفي الوقت ذاته تشترك مع إيران في حدود جغرافية طويلة،

وتربطها بها مصالح أمنية واقتصادية وجغرافية مباشرة.

ولهذا، فإن أي سياسة باكستانية تجاه الأزمة لا يمكن أن تقوم على الاصطفاف الكامل مع أحد طرفيها.

وتبدو الأولوية الباكستانية متمثلة في ثلاثة أهداف متوازية:

أولاً: حماية أمن السعودية ودول الخليج.

ثانياً: منع توسع المواجهة العسكرية إلى حرب إقليمية شاملة.

ثالثاً: الحفاظ على قنوات الاتصال مع إيران ودعم أي مسار دبلوماسي يمكن أن يؤدي إلى خفض التصعيد.

وهذه المعادلة تمنح المؤسسة العسكرية الباكستانية دوراً مهماً، ليس باعتبارها أداة عسكرية فقط، وإنما باعتبارها جزءاً من منظومة إدارة الأزمات والأمن الإقليمي.

لماذا يتحرك عاصم منير الآن؟

تأتي أهمية التحرك في توقيته.

فالمنطقة تقف أمام احتمالين متناقضين: نجاح الوساطات وفتح مسار تفاوضي أكثر استقراراً، أو انهيار الاتصالات وعودة التصعيد العسكري.

وفي مثل هذه البيئة، تحتاج دول الخليج إلى تعزيز جاهزيتها الدفاعية، بينما تحتاج الأطراف السياسية إلى إبقاء أبواب التفاوض مفتوحة.

ومن هنا تبدو مشاركة باكستان ذات طبيعة مزدوجة: تعزيز القدرة الدفاعية للحلفاء، مع دعم المسار السياسي الذي يمنع استخدام هذه القدرات في حرب جديدة.

وهذا يفسر أهمية التحرك الباكستاني الحالي؛ فهو لا يقوم على خيار الحرب أو خيار التفاوض وحده، وإنما على إدارة المخاطر من خلال الجمع بين الردع والتهدئة.

البعد الاستراتيجي

يمثل التحرك الباكستاني تطوراً مهماً في طبيعة الدور الذي يمكن أن تؤديه إسلام آباد في أمن الخليج.

فباكستان تمتلك علاقات دفاعية تاريخية مع دول الخليج، إلى جانب خبرة عسكرية واسعة، وفي الوقت ذاته تستطيع الحفاظ على قنوات اتصال مع إيران.

وهذا الموقع يمنحها إمكانية لعب دور وسيط أمني وسياسي، خصوصاً إذا تطورت الأزمة من مواجهة ثنائية بين واشنطن وطهران إلى أزمة إقليمية متعددة الأطراف.

لكن نجاح هذا الدور سيعتمد على قدرة إسلام آباد على المحافظة على التوازن بين التزاماتها الدفاعية تجاه شركائها الخليجيين وحاجتها إلى إبقاء العلاقة مع طهران قابلة للإدارة.

الخلاصة

التحرك الباكستاني الحالي يتجاوز كونه زيارة عسكرية أو اتصالات ثنائية مع السعودية؛ فهو يعكس محاولة لبناء مقاربة أمنية إقليمية تجمع بين الردع الدفاعي والتهدئة الدبلوماسية.

ويأتي تحرك عاصم منير في قلب هذه المعادلة، في وقت تحتاج فيه دول الخليج إلى ضمانات أمنية أكبر، بينما تحتاج المنطقة بأكملها إلى تجنب حرب جديدة.

وبينما تتحرك سلطنة عمان على المسار الدبلوماسي، تتحرك باكستان على المسارين الأمني والعسكري، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام التهدئة والحوار.

وبالتالي، فإن الرسالة الأبرز من التحرك الباكستاني هي أن تعزيز الردع لا يعني بالضرورة الاستعداد للحرب؛

بل قد يكون، في هذه المرحلة، جزءاً من استراتيجية لمنع الحرب واحتواء التصعيد وحماية أمن الخليج.

د. لبنى فرح

أكاديمية، إعلامية، ومحللة سياسية باكستانية، متخصصة في شؤون جنوب آسيا، مترجمة وأديبة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى