
أمرت المحكمة العليا الباكستانية، الثلاثاء، بنقل رئيس الوزراء السابق المسجون عمران خان من سجن أديالا في روالبندي إلى مستشفى شِفا الدولي في إسلام آباد، لإجراء فحوص طبية وتلقي العلاج، في خطوة قضائية بارزة جاءت على خلفية مخاوف متكررة بشأن حالته الصحية وطالب بها حزبه وعائلته منذ أشهر.
وقضت هيئة مؤلفة من ثلاثة قضاة برئاسة القاضي شاهد وحيد بنقل خان، البالغ من العمر 73 عاماً، إلى المستشفى خلال اليومين المقبلين، على أن يبقى هناك حتى 16 سبتمبر/أيلول،
وفقاً لما أوردته وسائل إعلام باكستانية وما أكدته وكالة رويترز نقلاً عن حزب حركة الإنصاف الباكستانية.
ويأتي القرار في وقت تصاعدت فيه المخاوف بشأن الوضع الصحي لخان، ولا سيما ما يتعلق بمشكلة في عينه اليمنى،
بينما تؤكد السلطات أن حالته خضعت للعلاج وأن مستوى الرؤية شهد تحسناً.
ولذلك، فإن الصياغة الأكثر دقة صحفياً هي أن المخاوف والتقارير الطبية المتداولة دفعت المحكمة إلى توسيع نطاق الإشراف الطبي عليه، وليس الجزم بوجود تدهور صحي خطير بوصفه حقيقة طبية نهائية.
المحكمة توسّع نطاق الرعاية الطبية
ولم يقتصر قرار المحكمة على السماح بنقل خان إلى منشأة طبية خارج السجن، بل تضمن سلسلة من الإجراءات المتعلقة بالرعاية الطبية والاتصال بأسرته.
وبحسب تفاصيل جلسة المحكمة التي نشرتها صحيفة «إكسبريس تريبيون»، أمرت المحكمة بالسماح لطبيب خان الشخصي، الدكتور فيصل سلطان، بالوصول إليه،
كما وجهت بتشكيل لجنة طبية تضم اختصاصي عيون وطبيباً عاماً، إلى جانب الطبيب الشخصي لخان.
وطلبت المحكمة كذلك تقديم السجل الطبي الكامل لخان، بعد اعتراضها على الاكتفاء بملخص طبي،
في إشارة إلى رغبتها في الاطلاع بصورة مباشرة على البيانات الطبية بدلاً من الاعتماد على تقارير مختصرة.
كما سمحت المحكمة لشقيقة خان، الدكتورة عظمة خان، بزيارته، ووجهت السلطات إلى ترتيب اتصالات هاتفية بينه وبين أبنائه، إضافة إلى السماح بلقاءات أسبوعية مع أفراد أسرته.
المتحدث باسم خان: القرار تأخر كثيراً
ورحبت حركة الإنصاف بالقرار، لكنها أعربت عن أسفها لتأخر صدوره.
وقال ذو الفقار بخاري، المتحدث باسم الحزب، إن القرار «مرحب به للغاية»،
مضيفاً أن الحزب كان يتمنى صدوره في وقت أبكر حتى لا تتدهور الحالة الصحية العامة لخان ووضع عينه إلى هذا الحد، وفق ما نقلته وسائل إعلام عن الحزب.
وقال المتحدث باسم خان، نعيم حيدر بانجوثا، إن المحكمة أمرت بنقله إلى مستشفى شِفا خلال 48 ساعة، وإنه سيبقى هناك حتى 16 سبتمبر/أيلول.
وأضاف بانجوثا في منشور على منصة «إكس» أن خان يجب أن يبقى في المستشفى «حتى يشعر جميع الأطباء بالرضا عن وضعه».
وتعكس هذه التصريحات موقف فريق خان وحزبه من القضية،
ولذلك ينبغي التعامل معها بوصفها تصريحات سياسية وطبية صادرة عن المقربين منه، لا بوصفها توصيفاً مستقلاً ونهائياً لحالته الصحية.
مخاوف بشأن العين اليمنى
تتركز إحدى أبرز نقاط الخلاف حول صحة خان في عينه اليمنى.
وكان محاموه وحزبه قد أثاروا مراراً مسألة تراجع مستوى الرؤية، فيما تحدثت تقارير عن فقدان كبير للرؤية في العين،
بينما قالت السلطات في وقت سابق إن الرؤية تحسنت بعد تلقي العلاج.
وأصبحت مسألة السماح لطبيب خان الشخصي والمتخصصين المستقلين بفحصه محوراً رئيسياً في النزاع بين الحزب والسلطات بشأن الرعاية الطبية داخل السجن.
وكانت حركة الإنصاف قد طالبت منذ فترة بنقل مؤسسها إلى مستشفى شِفا الدولي وتوفير إمكانية وصول أطبائه الشخصيين إليه.
تقارير عن ضغط الدم وخفقان القلب والقلق
وتأتي أوامر المحكمة في ظل تقارير طبية عُرضت أمامها بشأن الحالة الصحية لخان.
وأفادت تقارير صحفية بأن السجلات الطبية المقدمة إلى المحكمة تضمنت شكاوى من القلق والخفقان ومشكلات مرتبطة بضغط الدم والصداع والتوتر،
في حين أظهرت تغطيات محلية أن طبيباً قلبياً فحص خان في وقت سابق من أغسطس/آب.
وبحسب ما أوردته التغطيات، سجل الفحص ضغط دم بلغ 140/100، مع توصيات باتخاذ إجراءات من شأنها تقليل الضغوط النفسية، بينها زيادة التواصل مع أفراد أسرته.
لكن هذه المعطيات لا تعني تلقائياً أن المحكمة خلصت إلى وجود حالة صحية حرجة، بل إن قرارها يعكس رغبة في توفير تقييم طبي أوسع وأكثر استقلالية.
المحكمة تفصل بين العلاج والنشاط السياسي
وفي جانب آخر من القرار، فرضت المحكمة قيوداً على إمكانية تحويل إقامة خان في المستشفى إلى نشاط سياسي.
وأشارت التغطيات إلى أن التقارير الطبية الخاصة به ستظل سرية، كما طلبت المحكمة عدم نشرها في وسائل الإعلام.
وشددت المحكمة أيضاً على عدم تنظيم نشاط سياسي أو مؤتمرات صحفية خارج المستشفى،
في ضوء ضرورة مراعاة المرضى الآخرين والحفاظ على النظام والأمن في محيط المنشأة الطبية.
وبذلك، يبدو أن المحكمة حاولت تحقيق توازن بين حق خان في الحصول على رعاية طبية مناسبة، وبين منع المستشفى من التحول إلى ساحة للنشاط السياسي أو الحشد الجماهيري.
كما دعت السلطات إلى اتخاذ الإجراءات الأمنية اللازمة خلال عملية نقله وفي محيط المستشفى والحفاظ على النظام العام.
اعتراض حكومي على النقل
وخلال جلسة المحكمة، أبدى ممثل الحكومة اعتراضاً على نقل خان،
مشيراً إلى أن السلطات لم تكن قد أُبلغت مسبقاً بالقرار وأن عملية نقله إلى المستشفى لا يمكن تنفيذها بصورة فورية.
إلا أن المحكمة مضت في إصدار توجيهاتها المتعلقة بالنقل والرعاية الطبية.
كما طلبت من مسؤولي سجن أديالا تقديم تفاصيل وسجلات تتعلق بزيارات شقيقات خان له خلال السنوات الثلاث الماضية،
إضافة إلى معلومات بشأن الاتصالات التي أجراها مع أبنائه.
وتساءلت المحكمة كذلك عن أسباب عدم تنفيذ بعض التوجيهات القضائية السابقة المتعلقة بلقاءات خان مع أفراد أسرته،
وطلبت من مسؤولي السجن تقديم توضيحات في الجلسة المقبلة.
القرار لا يعني الإفراج عن عمران خان
ورغم الأهمية السياسية والإعلامية للقرار، فإن نقل خان إلى المستشفى لا يعني الإفراج عنه ولا تعليق الأحكام الصادرة بحقه.
فالقرار يتعلق أساساً بمكان تلقيه الرعاية الطبية وآليات الإشراف على حالته الصحية، بينما تبقى القضايا الجنائية والأحكام القضائية المرفوعة ضده منفصلة عن هذا الملف.
وبحسب رويترز، لا يزال خان محتجزاً منذ أغسطس/آب 2023، بعد إدانته في عدد من القضايا التي يقول هو وحزبه إنها ذات دوافع سياسية.
وتشمل القضايا التي ارتبطت بسجنه ملفات تتعلق بالفساد وهدايا الدولة، فيما ألغيت أو علقت بعض الإدانات السابقة،
ولا تزال قضايا وطعون أخرى قائمة أمام المحاكم. كما ينفي خان الاتهامات الموجهة إليه ويؤكد أن الملاحقات القضائية ضده مسيسة.
خلفية سياسية مستمرة منذ 2022
أُطيح بخان من رئاسة الحكومة في أبريل/نيسان 2022 بعد تصويت بحجب الثقة في البرلمان.
ومنذ ذلك الحين، دخل في مواجهة سياسية وقضائية طويلة مع الحكومة والمؤسسة السياسية في البلاد، بينما ظل حزب حركة الإنصاف أحد أبرز القوى السياسية في باكستان.
ويشير قرار المحكمة الأخير إلى أن الملف الصحي لخان أصبح الآن جزءاً من مسار قضائي مستقل نسبياً عن الجدل السياسي، وإن كان من الصعب فصله بالكامل عن البيئة السياسية المشحونة التي تحيط به.
الدلالة القانونية والسياسية
تكمن أهمية قرار الثلاثاء في أنه لا يقتصر على نقل سجين إلى مستشفى، بل يضع ترتيبات طبية وعائلية أكثر تفصيلاً تحت إشراف المحكمة العليا.
فالقرار يمنح خان إمكانية الوصول إلى طبيبه الشخصي، ويفتح الباب أمام لجنة طبية تضم اختصاصيين، ويضمن له قدراً أكبر من التواصل مع أسرته وأبنائه، ويُلزم السلطات بتقديم سجله الطبي الكامل.
وفي الوقت نفسه، تضع المحكمة قيوداً واضحة على استغلال الرعاية الصحية في النشاط السياسي، من خلال الحفاظ على سرية التقارير الطبية ومنع تحويل المستشفى إلى موقع للتجمعات أو المؤتمرات السياسية.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة القرار باعتباره تدخلاً قضائياً لضمان الرعاية الطبية وليس تدخلاً سياسياً لصالح الإفراج عن خان.
ما الذي سيحدث خلال الأسابيع المقبلة؟
ستتركز الأنظار الآن على ثلاث نقاط رئيسية:
أولاً: تنفيذ أمر المحكمة ونقل خان فعلياً من سجن أديالا إلى مستشفى شِفا الدولي خلال المهلة المحددة.
ثانياً: نتائج الفحوص الطبية التي ستجريها اللجنة التي تضم اختصاصي العيون والطبيب العام وطبيب خان الشخصي.
ثالثاً: مدى التزام السلطات والحزب بقيود المحكمة المتعلقة بسرية الملف الطبي ومنع تحويل المستشفى إلى منصة سياسية.
ومن المتوقع أن يصبح تقرير اللجنة الطبية، وليس التصريحات السياسية وحدها، العامل الأكثر أهمية في تقييم الوضع الصحي لخان خلال المرحلة المقبلة.
الخلاصة
يمثل قرار المحكمة العليا الباكستانية في 18 أغسطس/آب 2026 تطوراً مهماً في قضية الرعاية الصحية لعمران خان، لكنه ليس قراراً بالإفراج عنه ولا تسوية سياسية لقضيته.
فالمحكمة أمرت بنقله من سجن أديالا إلى مستشفى شِفا الدولي في إسلام آباد، حيث سيخضع لفحوص وعلاج تحت إشراف طبي أوسع، مع السماح لطبيبه الشخصي بالوصول إليه وتشكيل لجنة طبية تضم اختصاصيين.
كما وسعت المحكمة حقوقه في التواصل مع أسرته، بما في ذلك الاتصالات الهاتفية مع أبنائه واللقاءات الأسبوعية مع أفراد عائلته، وطالبت السلطات بتقديم ملفه الطبي الكامل.
وفي المقابل، وضعت المحكمة ضوابط لمنع تسييس وجوده داخل المستشفى، وأكدت ضرورة الحفاظ على سرية بياناته الطبية والنظام العام في محيط المنشأة.
وعليه، فإن العنوان الأدق للتطور هو: تدخل قضائي موسّع لضمان رعاية طبية أكثر شمولاً لعمران خان داخل إطار استمرار احتجازه، وليس انفراجاً في وضعه السياسي أو القانوني.



