أخبارسلايدر

إرث الثمانينيات في باكستان.. حين تحولت تداعيات الحرب الأفغانية إلى سلاح ومخدرات وطائفية

إسلام آباد — تحليل تاريخي

تعد فترة حكم الجنرال محمد ضياء الحق، التي امتدت من عام 1977 حتى وفاته عام 1988، واحدة من أكثر المراحل تأثيرًا في التاريخ السياسي والاجتماعي الباكستاني الحديث.

فقد تزامنت خلالها ثلاثة تحولات كبرى:

سياسة الأسلمة التي تبنتها الدولة، والحرب السوفيتية في أفغانستان، والتدفق الهائل للاجئين الأفغان إلى باكستان.

وفي الوقت نفسه، أدى تحول باكستان إلى دولة مواجهة رئيسية في الحرب الأفغانية إلى تدفق كميات كبيرة من الأسلحة وظهور شبكات تهريب للمخدرات،

الأمر الذي ترك آثارًا امتدت إلى ما بعد انتهاء الحرب، ولا تزال انعكاساتها الأمنية والاجتماعية والسياسية موضوعًا للبحث والنقاش في باكستان حتى اليوم.

وتشير دراسات أكاديمية إلى أن سياسات الأسلمة في عهد ضياء، إلى جانب الحرب الأفغانية والعوامل الإقليمية، ساهمت في إعادة تشكيل المشهد الديني والسياسي وتعميق بعض الانقسامات الطائفية.

أولاً: من الحرب الأفغانية إلى «ثقافة الكلاشينكوف»

بعد التدخل العسكري السوفياتي في أفغانستان عام 1979، أصبحت باكستان قاعدة رئيسية لعمليات دعم المجاهدين الأفغان.

وتدفقت الأسلحة والأموال والتدريب عبر الأراضي الباكستانية، بدعم أمريكي وسعودي وتنسيق مع الأجهزة الباكستانية.

ومع استمرار الحرب، لم تبقِ الأسلحة الثقيلة والخفيفة محصورة في ساحات القتال الأفغانية.

فقد نشأت أسواق وشبكات غير رسمية لتجارة السلاح، وازدادت إمكانية الحصول على البنادق الآلية والقنابل والذخائر داخل باكستان.

وتشير دراسات عن تلك المرحلة إلى انتشار ما أصبح يعرف لاحقًا باسم «ثقافة الكلاشينكوف»، ولا سيما في كراتشي والمناطق الحدودية، حيث أصبحت الأسلحة جزءًا من النزاعات السياسية والعرقية والجنائية.

ولم يكن الأمر مجرد زيادة في عدد الأسلحة؛ إذ غيّر انتشار السلاح طبيعة بعض الصراعات المحلية.

فالنزاعات العائلية والقبلية والسياسية التي كانت تدار بوسائل تقليدية أصبحت في بعض المناطق أكثر دموية مع توافر الأسلحة الآلية.

كما ارتبط انتشار السلاح بتصاعد العنف الطائفي.

وتظهر دراسات تاريخية أن التوترات السنية ـ الشيعية، التي كانت موجودة قبل عهد ضياء، اكتسبت خلال الثمانينيات طابعًا أكثر عنفًا وتنظيمًا نتيجة تداخل سياسات الدولة والتنافس الإقليمي والحرب الأفغانية.

ثانيًا: المخدرات.. من مسار عبور إلى أزمة داخلية

كانت الحرب الأفغانية عاملًا مهمًا في توسع تجارة الأفيون والهيروين في المنطقة المعروفة باسم «الهلال الذهبي»، التي شملت أفغانستان ومناطق مجاورة.

ومع اتساع الإنتاج الأفغاني وتطور طرق التهريب، أصبحت باكستان طريقًا رئيسيًا لعبور المخدرات إلى الأسواق الدولية، بينما تطور في الوقت نفسه سوق استهلاك محلي.

وتظهر البيانات التي أوردتها الأمم المتحدة أن إساءة استخدام الهيروين في باكستان ارتفعت من مستويات ضئيلة في أوائل الثمانينيات إلى نحو 1.5–2 مليون شخص في النصف الثاني من التسعينيات وفق تقديرات الحكومة الباكستانية آنذاك.

كما تشير دراسة من جامعة آغا خان إلى ارتفاع تقديرات عدد مدمني الهيروين من نحو 20 ألفًا عام 1981 إلى حوالي 1.53 مليون عام 1993.

وهنا ينبغي تجنب تبسيط الصورة بالقول إن «شحنات السلاح كانت تعود دائمًا بالهيروين». فقد كانت تجارة المخدرات شبكة معقدة تضم منتجين ووسطاء ومهربين وأسواقًا إقليمية ودولية، وتداخلت مع اقتصاد الحرب والتهريب عبر الحدود.

لكن النتيجة الاجتماعية كانت واضحة: تحولت المخدرات من مشكلة محدودة إلى أزمة وطنية واسعة النطاق خلال العقود التي أعقبت بداية الحرب الأفغانية.

ثالثًا: ملايين اللاجئين الأفغان.. أكبر موجات النزوح في المنطقة

أدت الحرب في أفغانستان إلى واحدة من أكبر موجات اللجوء في العالم خلال القرن العشرين.

واستقبلت باكستان ملايين الأفغان منذ أواخر السبعينيات، وبلغ عدد اللاجئين المسجلين في البلاد نحو 3.2 مليون عام 1990،

فيما تشير مصادر أخرى إلى أن العدد وصل إلى نحو 3.2 مليون عند نهاية الوجود السوفياتي في أفغانستان.

وكانت استضافة هؤلاء اللاجئين إنسانيًا وسياسيًا التزامًا ضخمًا على الدولة والمجتمع الباكستاني.

وقد وصفت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين سياسة الاستقبال التي اتبعتها باكستان وإيران خلال الثمانينيات بأنها نموذج بارز في التعامل مع أزمة لجوء ضخمة.

لكن حجم الأزمة فرض في المقابل ضغوطًا على البنية التحتية والخدمات العامة، خصوصًا في المناطق الحدودية.

وتشير وثائق البنك الدولي إلى أن ملايين اللاجئين الأفغان شكّلوا ضغطًا كبيرًا على البنية التحتية المحلية، وأسهم وجودهم في بعض المناطق في زيادة التوترات الاجتماعية.

وهنا يجب التفريق بوضوح بين اللاجئين كجماعة وبين شبكات الجريمة والتهريب:

ليس من الدقة التاريخية أو المهنية القول إن اللاجئين الأفغان عمومًا انخرطوا في تجارة السلاح والمخدرات.

الأدق أن الحرب والنزوح وغياب الرقابة الحدودية الفعالة أوجدت بيئة توسعت فيها شبكات التهريب والجريمة المنظمة، وشارك فيها أفراد وشبكات من جنسيات ومناطق مختلفة.

رابعًا: الأسلمة وإعادة تشكيل المجال الديني

لم تكن التحولات الاجتماعية في عهد ضياء مرتبطة بالحرب وحدها.

فقد تبنى النظام العسكري برنامجًا واسعًا لأسلمة مؤسسات الدولة والقوانين والتعليم والحياة السياسية، واستخدم الدين أيضًا لتعزيز شرعية الحكم العسكري.

وتشير دراسات أكاديمية إلى أن هذه السياسة لم تكن مجرد تحول ديني، بل كانت جزءًا من استراتيجية لإعادة تشكيل مؤسسات الدولة وتثبيت سلطة النظام العسكري.

وفي السياق نفسه، ساهم تداخل الأسلمة الرسمية مع الحرب الأفغانية والتنافس السعودي ـ الإيراني في زيادة حدة بعض الاستقطابات الطائفية.

وتشير أبحاث أكاديمية إلى أن سياسات الأسلمة في الثمانينيات، خصوصًا مع بروز تفسير مذهبي أكثر حصرية للدين في بعض مؤسسات الدولة، ساهمت في تهيئة بيئة أكثر ملاءمة لتصاعد التوترات بين السنة والشيعة، وإن كانت جذور الخلاف الطائفي أقدم من عهد ضياء.

خامسًا: ماذا بقي من إرث الثمانينيات؟

بعد انتهاء الحرب الأفغانية وانسحاب القوات السوفياتية عام 1989، لم تختفِ الأسلحة ولا شبكات التهريب ولا التنظيمات المسلحة بمجرد توقف الحرب.

بل انتقلت أجزاء من اقتصاد الحرب إلى أنشطة أخرى، واستخدمت بعض الخبرات القتالية والشبكات المسلحة في صراعات جديدة داخل باكستان والمنطقة.

النظر إلى إرث تلك المرحلة من خلال ثلاثة مسارات مترابطة:

المجال| قبل الحرب الأفغانية| التحول خلال الثمانينيات وما بعدها

الأمن| انتشار أقل للأسلحة الآلية| توسع سوق السلاح و«ثقافة الكلاشينكوف»

المخدرات| مستويات أقل بكثير من أزمة التسعينيات| توسع التهريب والاستهلاك والاعتماد على الهيروين

الطائفية| خلافات مذهبية موجودة لكنها أقل تنظيمًا وعنفًا| تصاعد التنظيم المسلح والاستقطاب الطائفي

المجتمع| تعددية اجتماعية ودينية واسعة| توسع التيارات المحافظة والمتشددة في بعض البيئات

الاقتصاد غير الرسمي| تهريب محدود نسبيًا| توسع شبكات السلاح والمخدرات والتهريب

الدولة والأمن| صراعات داخلية تقليدية| ترسخ دور الجماعات المسلحة وشبكات الحرب

هل كان ضياء الحق وحده مسؤولًا؟

الإجابة التاريخية الأكثر دقة هي: لا.

فالحرب الأفغانية كانت صراعًا دوليًا وإقليميًا معقدًا شاركت فيه الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي والسعودية وإيران وباكستان وأطراف أفغانية متعددة، ولم تكن نتائجها من صنع طرف واحد.

لكن ذلك لا يلغي مسؤولية السياسات الباكستانية في تشكيل آثار الحرب داخل البلاد.

فقرار تحويل باكستان إلى دولة مواجهة رئيسية، وسياسات تسليح وتدريب الجماعات الأفغانية، وتوظيف الدين في السياسة، وضعف السيطرة على تدفقات السلاح والتهريب، كلها عوامل ساعدت في خلق بيئة امتدت آثارها إلى ما بعد عام 1988.

الخلاصة: «مثلث» ترك أثرًا طويلًا

يمكن تلخيص إرث تلك المرحلة في ثلاثة ملفات مترابطة:

1- السلاح:

أدى تدفق الأسلحة المرتبط بالحرب الأفغانية إلى انتشار السلاح غير القانوني وتغير طبيعة بعض الصراعات المحلية.

2- المخدرات:

تحولت المنطقة إلى مركز رئيسي لإنتاج وتهريب الأفيونات، وظهرت داخل باكستان أزمة إدمان واسعة خلال السنوات التالية.

3- الحرب والنزوح والتطرف:

استقبلت باكستان ملايين الأفغان وقدمت لهم ملاذًا خلال واحدة من أكبر أزمات اللجوء في القرن العشرين، لكن طول أمد الأزمة والحرب أدى أيضًا إلى ضغوط اقتصادية واجتماعية وأمنية عميقة.

وعليه، فإن القول إن «ضياء الحق وحده دمّر المجتمع الباكستاني» سيكون تبسيطًا مخلًا، كما أن تجاهل آثار سياساته سيكون خطأ تاريخيًا.

الأدق أن حقبة 1977–1988 كانت نقطة تقاطع بين سياسة داخلية وحرب دولية وتحولات إقليمية؛ وقد ساهم هذا التقاطع في إعادة تشكيل الدولة والمجتمع والأمن والاقتصاد غير الرسمي في باكستان، وهي آثار لم تنتهِ بانتهاء حكم ضياء الحق، بل استمرت بأشكال مختلفة خلال العقود التالية وصولًا إلى عام 2026.

د. لبنى فرح

أكاديمية، إعلامية، ومحللة سياسية باكستانية، متخصصة في شؤون جنوب آسيا، مترجمة وأديبة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى