حين تصبح الإجراءات هي العقوبة: قضية خورام برويز

بقلم: مهر النساء رحمن
كان من المفترض أن يعيد قرار محكمة دلهي العليا منح الكفالة للناشط الحقوقي خورام برويز، بعد ما يقارب خمس سنوات من الاحتجاز، أحد أبسط الحقوق الأساسية إليه. إلا أن القرار كشف، بدلًا من ذلك، عن خلل أعمق في نظام العدالة الجنائية في الهند.
ففي ظل التشريعات الصارمة الخاصة بمكافحة الإرهاب، لا يعني الحصول على الكفالة بالضرورة استعادة الحرية، بل يكشف كيف أصبح الاحتجاز المطول من دون محاكمة سمة مقبولة من سمات الإجراءات القانونية، بدلًا من أن يكون إجراءً استثنائيًا. وعندما تمنح المحكمة الكفالة
بينما يبقى المتهم خلف القضبان، فإن مفهوم العدالة ذاته يصبح بحاجة إلى إعادة نظر.
ولا يُعد خورام برويز متهمًا عاديًا. فهو أحد أبرز المدافعين عن حقوق الإنسان في كشمير، والمنسق السابق لـ«ائتلاف جامو وكشمير للمجتمع المدني» (JKCCS).
وعلى مدى عقود، كرّس جهوده لتوثيق حالات الاختفاء القسري، وعمليات القتل خارج نطاق القضاء، والتعذيب، وغيرها من انتهاكات حقوق الإنسان في جامو وكشمير.
وأسهم عمله في إعداد تقارير مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان بشأن جامو وكشمير الصادرة عامي 2018 و2019، ما ساعد في لفت انتباه المجتمع الدولي إلى مزاعم الانتهاكات التي ظلت لسنوات محصورة داخل الإقليم.
وبالنسبة لعدد لا يحصى من العائلات التي كانت تبحث عن الحقيقة والمساءلة، أصبحت توثيقاته سجلًا تاريخيًا لا غنى عنه.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2021، اعتقلت الوكالة الوطنية للتحقيقات الهندية (NIA) خورام برويز بموجب قانون الأنشطة غير المشروعة (منعها) (UAPA)، متهمةً إياه بتمويل الإرهاب، والتآمر الجنائي، وتجنيد مسلحين، والحفاظ على صلات مع منظمات محظورة.
وقد رفض برويز هذه الاتهامات باستمرار، مؤكدًا أن جميع أنشطته اقتصرت على توثيق انتهاكات حقوق الإنسان بصورة مشروعة، والدفاع السلمي عنها.
وبعد نحو 54 شهرًا من الاحتجاز، منحته محكمة دلهي العليا الكفالة في القضية المسجلة عام 2021، إلا أن الحرية بقيت بعيدة المنال، إذ لا تزال قضية ثانية بموجب القانون نفسه، سجلتها الوكالة الوطنية للتحقيقات في مارس/آذار 2023، تُبقيه رهن الاحتجاز رغم صدور قرار الكفالة لصالحه.
ولا تقتصر القضية على الاتهامات الموجهة إلى خورام برويز، بل تتعلق بالفترة الاستثنائية التي يمكن أن يقضيها أي شخص خلف القضبان قبل أن تنظر المحكمة بصورة فعلية في الأدلة.
فقد مضت قرابة خمس سنوات، بينما لم تتجاوز إجراءات المحاكمة بالكاد مراحلها التمهيدية. وفي أي نظام قانوني يقوم على مبدأ الإجراءات القانونية الواجبة، ينبغي أن تقود التحقيقات إلى الملاحقة القضائية، ثم إلى المحاكمة، وصولًا إلى إصدار الحكم خلال مدة زمنية معقولة. إلا أن الاحتجاز في هذه القضية سبق عملية الفصل القضائي، لتصبح الإجراءات نفسها هي العقوبة.
ويساعد هيكل قانون الأنشطة غير المشروعة (منعها) (UAPA) في تفسير ذلك. فتنص المادة 43D(5) على أحد أكثر معايير الإفراج بالكفالة تقييدًا في نظام العدالة الجنائية الهندي.
ففي المرحلة الأولية، تقتصر مهمة المحكمة على تحديد ما إذا كانت هناك قضية أولية تستند في الأساس إلى رواية الادعاء. ولا تخضع الأدلة لاختبار شامل، كما لا يُسمح باستجواب الشهود، بينما لا تتاح للدفاع سوى فرصة محدودة للطعن في الاتهامات.
والنتيجة العملية واضحة؛ إذ يصبح الحصول على الكفالة بالغ الصعوبة حتى في الحالات التي لا تزال فيها التحقيقات غير مكتملة، أو عندما تتعثر المحاكمات لسنوات.
وخلال جلسات النظر في القضية، دفع فريق الدفاع عن خورام برويز بأن المحققين لم يتمكنوا من إثبات وجود أي أثر إلكتروني واضح، أو معاملات مالية، أو سجلات اتصالات تربطه بالأنشطة التشغيلية لأي منظمة محظورة. وقد أقنعت هذه الدفوع محكمة دلهي العليا بمنحه الكفالة في إحدى القضايا.
ومع ذلك، لا تزال القضية الأخرى تحرمه من حريته. وهكذا، يفقد القرار القضائي الإيجابي جزءًا كبيرًا من قيمته العملية عندما تضمن القضايا المتعاقبة استمرار الاحتجاز، بغض النظر عن نتيجة كل قضية على حدة.
ويثير ذلك سؤالًا جوهريًا حول الغاية من نظام الكفالة. فإذا أمضى شخص سنوات في السجن بانتظار المحاكمة، ثم حصل على الكفالة بعد احتجاز طويل، لكنه ظل خلف القضبان لأن قضية أخرى معلقة حلت محل الأولى فورًا، فما القيمة العملية للكفالة إذن؟ ففي حين تتقدم الإجراءات القانونية على مراحل متفرقة، تبقى الحرية الشخصية معلقة إلى أجل غير معلوم.
وإذا كان تأخر العدالة أمرًا مقلقًا، فإن تجزئة العدالة إلى سلسلة لا تنتهي من الإجراءات يصبح أكثر صعوبة في التوفيق بينها وبين الضمانات الدستورية.
وتعزز طريقة تطبيق قانون الأنشطة غير المشروعة هذه المخاوف. فعلى المستوى الوطني، لا تتجاوز نسبة الإدانات بموجب هذا القانون نحو 5%، بينما تقل النسبة في جامو وكشمير عن 1%، وفقًا للتقارير. وتطرح هذه الأرقام تساؤلات حتمية حول ما إذا كان القانون يؤدي بالفعل وظيفة مكافحة الإرهاب، أم أنه أصبح آلية تسمح بإطالة أمد الاحتجاز السابق للمحاكمة.
فعندما يستمر سلب الحرية لفترة أطول من الوقت الذي تستغرقه المحاكم للفصل في القضية، يبدأ الخط الفاصل بين الاتهام والعقوبة في التلاشي.
وأعرب خبراء الأمم المتحدة في مجال حقوق الإنسان مرارًا عن قلقهم إزاء احتجاز خورام برويز. فقد دعا المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحالة المدافعين عن حقوق الإنسان إلى الإفراج عنه، محذرًا من استخدام تشريعات مكافحة الإرهاب لتجريم العمل المشروع في مجال حقوق الإنسان.
وتكتسب هذه المواقف أهمية خاصة لأنها تعكس قلقًا دوليًا أوسع بشأن تضاؤل الحيز المدني، وتزايد المخاطر التي يواجهها العاملون في توثيق انتهاكات حقوق الإنسان.
ولا تقتصر تداعيات هذه القضية على مصير خورام برويز وحده، بل تمتد إلى الصحفيين والمحامين والباحثين ومنظمات المجتمع المدني العاملة في جامو وكشمير. فعندما يقضي أحد أبرز المدافعين عن حقوق الإنسان في الإقليم سنوات خلف القضبان من دون محاكمة، فإن الآخرين سيعيدون حتمًا حساب تكلفة توثيق القضايا الحساسة.
والنتيجة هي انكماش المجال العام، حيث يحل الحذر محل البحث، ويبدأ الخوف تدريجيًا في إزاحة التوثيق المستقل.
ولا يمكن لأي دولة ديمقراطية أن تتجاهل التهديدات الأمنية الحقيقية، ولا ينبغي لها ذلك. فالحكومات تمتلك السلطة والمسؤولية للتحقيق في الجرائم المرتبطة بالإرهاب وحماية السلامة العامة. غير أن شرعية هذه السلطة تستمد من الالتزام بالإجراءات القانونية الواجبة. فلا يجوز أن يتحول التحقيق إلى بديل عن المحاكمة، ولا أن يصبح الاحتجاز بديلًا عن الإدانة القضائية.
ومن ثم، لم تعد قضية خورام برويز مجرد نزاع بشأن ملاحقة قضائية أو قرار بالإفراج بكفالة، بل أصبحت اختبارًا حقيقيًا لما إذا كانت الإجراءات القانونية الواجبة لا تزال تحتفظ بمعناها الفعلي في ظل قوانين استثنائية تسمح باحتجاز الأشخاص لسنوات قبل إثبات إدانتهم. فالنظام القانوني يكتسب شرعيته ليس من صرامة نصوصه، بل من قدرته على تحقيق العدالة بصورة منصفة وخلال مدة زمنية معقولة.
وعندما تُسلب حرية الأفراد لسنوات قبل أن تتمكن الدولة من إثبات اتهاماتها، فإن الإجراءات القانونية لا تعود وسيلة لحماية العدالة، بل تصبح هي نفسها بديلًا عنها.



