حقوق الطفل في أوقات النزاع: حالة كشمير

الدكتور غلام نبي فاي
افتتحت لجنة حقوق الطفل دورتها المئة في جنيف في الفترة من 12 إلى 30 يناير/كانون الثاني 2026، في لحظةٍ يسودها قلقٌ بالغٌ على الأطفال في جميع أنحاء العالم.
وفي كلمته الافتتاحية، أكد ماهامان سيسي-غورو، مدير قسم مجلس حقوق الإنسان وآليات المعاهدات في مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، أن اللجنة تجتمع في وقتٍ عصيبٍ للغاية بالنسبة لحقوق الطفل.
في جميع أنحاء العالم، يتأثر الأطفال بشكل متزايد بانتهاكات القانون الدولي الإنساني وبالتحديات المتنامية التي تواجه حقوقهم الأساسية. وفي الوقت نفسه، يتضاءل الدعم الدولي لآليات حقوق الإنسان،
بينما تواجه هيئات المعاهدات قيودًا مالية وسياسية غير مسبوقة. وفي ظل هذه الظروف، أكد أن عمل اللجنة لم يكن يومًا أكثر أهمية مما هو عليه الآن.
وصفت صوفي كيلادزه، رئيسة اللجنة، الدورة المئة بأنها إنجازٌ بارزٌ حقاً. فعلى مدى أكثر من 35 عاماً، استعرضت اللجنة مئات التقارير المقدمة من الدول الأطراف،
وأصدرت آلاف التوصيات، واعتمدت 26 تعليقاً عاماً، وعقدت أياماً من المناقشات العامة، وأجرت تحقيقات،
واتخذت قرارات فردية، ونظمت فعاليات عديدة لتعزيز حقوق الطفل. ومع ذلك، ورغم هذه الجهود المتواصلة، أقرت السيدة كيلادزه بأن معاناة ملايين الأطفال لا تزال تفوق الخيال.
نعلم جميعًا أن مسألة حقوق الطفل تنطوي على تعقيد أخلاقي عميق. يولد جميع الأطفال متساوين في القيمة الأخلاقية، ويستحقون فرصًا متساوية في الحياة.
ومع ذلك، فإن المساواة الكاملة غير قابلة للتحقيق عمليًا، مما يتطلب من المجتمعات البحث عن بدائل عادلة وإنسانية تحمي الفئات الأكثر ضعفًا. ولا يظهر هذا التحدي جليًا في أي مكان كما هو الحال في حالات النزاعات المسلحة الممتدة.
في هذا السياق، تستدعي محنة الأطفال في كشمير المحتلة من قبل الهند اهتمامًا عاجلًا. فقد أدى الوجود العسكري الكثيف – الذي يُقدّر بنحو 900 ألف جندي هندي، وهو رقم ذكرته الروائية الهندية العالمية أرونداتي روي – إلى تغيير جذري في الواقع اليومي، وتصورات الأطفال الكشميريين، ونموهم النفسي.
ينشأ الكثيرون منهم في جو من الخوف الدائم: الخوف من مداهمات منتصف الليل، والتفتيش دون إذن قضائي، والاعتقال التعسفي للصبيان الصغار بموجب قوانين جائرة كقانون السلامة العامة وقانون الأنشطة غير المشروعة (الوقاية)، والاعتداء الجسدي على كبار السن، وانتهاك كرامة النساء وسلامتهن داخل أسرهن. تترك هذه التجارب ندوبًا عميقة في نفوس الصغار.
أثر النزاع المسلح في كشمير على جميع سكان الوادي، لكن أشد عواقبه تقع على عاتق الأطفال. فالتعرض للعنف يملأ قلوبهم الصغيرة بالغضب والإحباط والعجز، ويحرمهم من راحة البال. وتتأثر صحتهم – وهي من أثمن مقومات الطفولة – تأثراً بالغاً، إذ يعاني العديد منهم من القلق والاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة.
لقد سلبهم النزاع طفولةً هانئةً وفرض عليهم مسؤوليات الكبار في سن مبكرة جداً. ويُودع بعض الأطفال في دور الأيتام بعد فقدانهم أولياء أمورهم في اللحظة التي يكون فيها الدعم الأبوي في أمس الحاجة إليه.
أما التعليم، وهو أساسي لتنمية أي مجتمع في المستقبل، فيتعرض لانقطاعات متكررة، مما يُخلف آثاراً طويلة الأمد على الأفراد والمجتمع ككل.
رغم هذه المصاعب، يمتلك أطفال كشمير قدراتٍ ومهاراتٍ هائلة. وما يحتاجونه بشدة هو بيئات تعليمية موثوقة وآمنة. لا ينبغي السماح لأي طفل بالتأثر سلبًا بانعدام الأمن، أو عدم الاستقرار، أو العنف، أو الإهمال الإداري.
إن حماية التعليم خطوة أولى حاسمة نحو صون أثمن ما تملكه كشمير – عقول أطفالها – وضمان أن يرث الجيل القادم الفرص والتعلم والأمل لا اليأس.
وقد وثّقت العديد من المنظمات الهندية والدولية الموثوقة الأثر النفسي للصراع على أطفال كشمير.
في أوائل مايو/أيار 2025، قام فريق من قسم طب نفس الأطفال في معهد الصحة العقلية وعلوم الأعصاب (IMHANS) في كشمير، بدعم من منظمة اليونيسف في الهند، بزيارة مخيمات الصحة النفسية والاجتماعية في أوري، كشمير.
وعلى مدار أسبوعين، لاحظ الأطباء عشرات الأطفال يُظهرون أعراضًا من الذعر والقلق والأرق والكوابيس والتهيج والخوف المستمر من تجدد العنف.
وقد حذرت اليونيسف مرارًا وتكرارًا من أن النزاعات المسلحة تُسبب صدمة نفسية بالغة للأطفال، وقد تُؤدي إلى عواقب وخيمة على صحتهم النفسية على المدى الطويل إذا لم تُعالج.
تؤكد التقارير الإعلامية والسريرية هذه النتائج. فقد نشرت صحيفة “مومباي ميرور” في سبتمبر 2025 تقريراً عن فتاة تبلغ من العمر 16 عاماً من كوبوارا، عانت من قلق حاد بعد قصف في حيّها عقب وقف إطلاق النار بين الهند وباكستان في 10 مايو 2025.
بحسب المختصين في مركز توجيه الطفل ورفاهيته في سريناغار، وهو المرفق الحكومي الوحيد العامل بكامل طاقته والمخصص للصحة النفسية للأطفال والمراهقين في كشمير، فإن الفتيات غالباً ما يترددن على المركز بأعداد أكبر، لأنهن يملن إلى التعبير عن معاناتهن بشكل أكثر صراحة.
وقد أفاد أطفال لا تتجاوز أعمارهم إحدى عشرة سنة بشعورهم بخوف شديد من البقاء بمفردهم، حتى أثناء استخدام دورة المياه، وذلك بسبب تعرضهم المستمر لصور العنف ووسائل الإعلام المتعلقة بالحرب.
تؤكد البيانات الحديثة خطورة الأزمة. فقد وثّق التقرير السنوي لعامي 2022-2023 الصادر عن مركز توجيه الطفل ورفاهيته في معهد إمهانس ارتفاعًا حادًا في حالات الصحة النفسية بين الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 0 و18 عامًا، مع تسجيل أعلى نسبة في الفئة العمرية من 7 إلى 14 عامًا.
علاوة على ذلك، أفاد المكتب الوطني لسجلات الجريمة في ديسمبر 2023 أن جامو وكشمير سجلت أعلى عدد من محاولات الانتحار في الهند عام 2022، وهو مؤشر مقلق للغاية على انتشار الاضطرابات النفسية.
بينما تحتفل لجنة حقوق الطفل بدورتها المئوية، يجب أن يكون هذا الحدث التاريخي بمثابة لحظة للتأمل، ودعوة لتجديد المسؤولية الأخلاقية والمؤسسية. فبالنسبة لأطفال المناطق المتضررة من النزاعات، مثل كشمير، تبقى الإعلانات والتعليقات العامة والتوصيات – مهما كانت قيمتها – جوفاء ما لم تُترجم إلى حماية ومساءلة وإغاثة ملموسة على أرض الواقع.
تتمتع اللجنة بتفويض فريد لضمان عدم اختزال اتفاقية حقوق الطفل إلى مجرد وثيقة طموحة، بل الحفاظ عليها كأداة حية لحماية الأطفال العالقين في أوضاع الاحتلال الممتد والنزاعات المسلحة.
ولا يزال أطفال كشمير يعانون من انتهاكات لأبسط حقوقهم: الحق في الحياة، والحق في التعليم، والحق في الصحة البدنية والنفسية، والحق في النشأة في بيئة آمنة خالية من الخوف والعنف.
هذه الانتهاكات ليست معزولة ولا عرضية، بل هي منهجية، ومستمرة منذ زمن طويل، وموثقة توثيقاً جيداً من مصادر وطنية ودولية موثوقة.
لذلك نحث لجنة حقوق الطفل على ما يلي: (أ) إيلاء اهتمام مستمر ومكثف لحالة الأطفال في جامو وكشمير في حوارها مع الدولة الطرف؛ (ب) معالجة الصدمات النفسية، وانقطاع التعليم، والاحتجاز التعسفي، وفصل الأسر التي تؤثر على أطفال كشمير بشكل صريح في ملاحظاتها الختامية؛ (ج) الدعوة إلى الوصول غير المقيد لآليات حماية الطفل والصحة النفسية المستقلة، بما في ذلك وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية؛ (د) التوصية بتدابير ملموسة ومحددة زمنياً لضمان الامتثال للاتفاقية وبروتوكولاتها الاختيارية.
لا يمكن للأطفال الذين يعيشون في ظل النزاعات انتظار التسويات السياسية للتمتع بحقوقهم. فالقانون الدولي لا يسمح بتعليق طفولة أبنائهم.
وإذا أرادت اتفاقية حقوق الطفل الحفاظ على مصداقيتها وسلطتها الأخلاقية، فعليها أن تدافع بقوة عن هؤلاء الأطفال الأقل قدرة على التعبير عن أنفسهم. إن أطفال كشمير لا يستحقون التعاطف فحسب، بل يستحقون الحماية والعدالة ومستقبلاً آمناً خالياً من الخوف.



