ألطاف حسين واني يكتب: مايو 2025 وقضية كشمير

لطالما بدا خط السيطرة كجرحٍ متجمد، ندبةٍ لا تندمل عبر شبه القارة الهندية. لعقودٍ، عاشت نيودلهي وإسلام آباد في حالة عداءٍ مُدار: مناوشاتٌ دورية، ومواجهاتٌ دبلوماسية، ومساوماتٌ دائمة حول كشمير لم تُثمر سوى المرارة. إلا أن الاشتباكات الجوية والإلكترونية في مايو 2025 غيّرت هذا الواقع الجامد. فقد انقلب الوضع الراهن المستقر رأسًا على عقب، وبرزت باكستان، خلافًا للتوقعات، لا كطرفٍ مُنهك، بل كقوةٍ مؤثرةٍ جديدة. السؤال الآن هو كيف يُعيد هذا التحوّل تشكيل آفاق السلام في جامو وكشمير المحتلة من قِبل الهند والمنطقة الأوسع.
كان الدرس المباشر لشهر مايو واضحًا: صراعات القرن الحادي والعشرين تُفضّل من يستطيع مزج الردع التقليدي مع النفوذ التكنولوجي غير المتكافئ. بدلاً من إظهار التفوق، واجهت الضربات الهندية دفاعاً باكستانياً محكماً ورداً إلكترونياً كشف عن ثغرات في البنية التحتية لشمال الهند. لم يكن وقف إطلاق النار الذي توسط فيه ترامب مجرد فرض خارجي، بل اعترافاً عملياً بأن أياً من الطرفين لا يستطيع التصعيد دون تكلفة باهظة. في تلك اللحظة، تبلورت رواية باكستان عن الصمود إلى نفوذ ملموس، حيث تعززت مصداقيتها العسكرية بالاعتراف الدبلوماسي.
سرعان ما انعكس هذا النفوذ على مكاسب جيوسياسية. فقد أعادت واشنطن، بعد أن أدركت مخاطر عدم الاستقرار في جوار نووي، تقييم مشاركتها. وأشارت عودة باكستان إلى الحوارات الاستراتيجية، الرسمية وغير الرسمية، إلى أن إسلام آباد انتقلت من دولة منبوذة إلى محاور لا غنى عنه. أما مكاسب التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند، التي توقع الكثيرون أن تُضعف مكانة باكستان الإقليمية، فقد تضاءلت بسبب حذر المستثمرين من نقاط الضعف العسكرية والإلكترونية المكشوفة للهند. في الوقت نفسه، توطدت علاقات باكستان مع ممالك الخليج وتركيا لتصبح أكثر استدامة: تحالف الرياض-أنقرة-إسلام آباد الذي يجمع بين النفوذ المالي السعودي، والطموحات التركية في مجال الطيران، والخبرة الباكستانية في ساحات المعارك، ضمن بنية أمنية ناشئة تمتد من البوسفور إلى نهر السند.
ولعلّ أهمّ إنجاز دبلوماسي كان دعوة باكستان للانضمام إلى مجموعة تنفيذ السلام في غزة. لم يكن هذا مجرد رمزية، بل كان اعترافًا بمكانة إسلام آباد الجديدة كضامن أمني، والتي نضجت قدراتها العسكرية والتكنولوجية، لا سيما في مجال الطائرات المسيّرة ومكافحة التمرد. وقد وجّه استعداد العالم العربي لإشراك باكستان في دبلوماسية بالغة الأهمية رسالة واضحة: باكستان الآن لاعبٌ يجب على الفاعلين العالميين أخذه على محمل الجد.
ماذا يعني هذا بالنسبة لكشمير؟ بالنسبة للشعب الكشميري، يُمثّل هذا التحوّل فرصةً وتحديًا في آنٍ واحد. فمن جهة، أدّى ارتقاء مكانة باكستان إلى تدويل النزاع بطرقٍ تُجبر القوى العالمية على الاهتمام بالنتائج، وليس فقط بالاستقرار. يُظهر اتفاق ترامب للسلام، وما تلاه من إشارات أمريكية تربط تعميق العلاقات مع دلهي بـ”حوار جاد” حول كشمير، النفوذ الذي تتمتع به إسلام آباد حاليًا. فبدعم سعودي وتركي، ومع تزايد مخاطر الإكراه واسع النطاق بفضل الردع السيبراني، تستطيع باكستان الإصرار على أن يشمل أي اتفاق طويل الأمد بشأن كشمير مفاوضات جوهرية حول الحكم وحقوق الإنسان وحرية تنقل السكان عبر خط السيطرة.
من جهة أخرى، قد تُفضي سياسات القوة إلى سلام دون عدالة. فقد أظهرت إعادة تنظيم جامو وكشمير المحتلة من قبل الهند عام 2019 – إلى جانب الحوافز الاقتصادية التي قدمتها دلهي – كيف يمكن للتكامل المادي أن يستمر حتى في ظل القمع السياسي. ويكمن الخطر الآن في أن يؤدي انفراج دولي بوساطة خارجية إلى إعطاء الأولوية للاستقرار الإقليمي والممرات التجارية على حساب تطلعات الكشميريين إلى تقرير المصير، وهو حق مكفول صراحةً في قرارات مجلس الأمن الدولي التي اعترفت بسلطة الشعب الكشميري في تحديد مستقبله السياسي. إن النتيجة الأكثر إنسانية لن تكون مجرد وقف الأعمال العدائية، بل توسيعاً مستداماً للأمن البشري: حريات مدنية حقيقية، وفرص اقتصادية، وضمانات مؤسسية تمنح الكشميريين ملكية مستقبلهم.
سيحدد رد فعل الهند مسار الأمور. منحت الاتفاقية التجارية بين الهند والاتحاد الأوروبي دلهي ثقة اقتصادية، لكن مايو/أيار 2025 قوّض الافتراض القائل بأن الزخم الاقتصادي يُعادل هيمنة استراتيجية لا تُقهر. إذا اختارت نيودلهي التعامل مع صعود باكستان كإحراج مؤقت، وضاعفت جهودها في ترسيخ نفوذها من جانب واحد، فستكون النتيجة سلامًا باردًا طويل الأمد يتسم بالردع المتبادل وتجميد المظالم. أما إذا أدركت دلهي، بدلًا من ذلك، وجود توازن جديد، وانطلقت في المفاوضات من موقف التكافؤ الحذر، فسيكون هناك مجال لبناء الثقة تدريجيًا: تعزيز آليات وقف إطلاق النار، وتبادل الخبرات بين الشعوب، وروابط اقتصادية بوساطة أطراف ثالثة، مما يُمكن أن يُنشئ دوائر انتخابية تُؤيد السلام.
مثّلت مشاركة باكستان في دبلوماسية السلام في غزة انتقالها من فاعل أمني إقليمي إلى مُساهم في جهود إدارة الصراع الأوسع، وهو تحوّل يتكشف ضمن بيئة استراتيجية أوسع تُشارك فيها الصين أيضًا بشكل غير مُعلن. يتماشى اعتماد بكين على تدفقات الطاقة المستقرة من الشرق الأوسط وممرات التجارة الآمنة مع توسع النفوذ الدبلوماسي لإسلام آباد. ورغم أن الصين تتجنب القيادة السياسية العلنية في مثل هذه العمليات، إلا أنها تستفيد من مصداقية باكستان كطرف وسيط أمني، مما يعزز إطارًا متعدد الأقطاب يدعم فيه الاستقرار الإقليمي الأهداف الإنسانية والترابط الاستراتيجي طويل الأمد عبر آسيا وخارجها.
يضمن ظل الردع النووي بقاء صراعات جنوب آسيا محصورة، لا حلها. لن تتزحزح جبال بير بانجال وكاراكورام بالقوة، ومع ذلك، فقد أظهر مايو 2025 أن حتى الأنماط الاستراتيجية الراسخة يمكن أن تتعطل عندما تصبح مخاطر التصعيد بالغة الخطورة بحيث لا يمكن تجاهلها. لقد غيّر موقف الردع الباكستاني المعزز الحسابات الإقليمية، لكن هذا التوازن الجديد هش، إذ يقوم على ضبط النفس لا المصالحة. يكمن الاختبار الحقيقي في قدرة القادة السياسيين على تحويل الحذر الناجم عن الأزمة إلى حوار منظم، وآليات لإدارة الأزمات، وبناء ثقة مستدام. ستحدد الخيارات المتخذة في إسلام آباد ودلهي وعواصم خارجية رئيسية ما إذا كان الردع سيصبح جسراً نحو الدبلوماسية أم مجرد هدنة بين المواجهات. بالنسبة للكشميريين، يكمن السؤال المحوري في ما إذا كان إعادة التوازن الجيوسياسي سيترجم إلى أمن إنساني ملموس – استعادة الحريات المدنية، وحكم رشيد، والاعتراف بالحقوق السياسية التي طال انتظارها. لا يمكن أن يعني السلام في منطقة نووية مجرد تجنب الحرب؛ بل يجب أن يعني تهيئة الظروف التي لا تكون فيها الكرامة والأمان وحرية التعبير السياسي رهينة لمنطق الردع.



