مقالات

كشمير بين الرواية المصنّعة والتقسيم الإداري: ما الذي تخفيه نيودلهي؟

بقلم: الطاف حسين واني

على مدى أربعة عقود تقريبًا، أُعيدت صياغة مأساة عام 1990 مرارًا وتكرارًا في صورة قصة واحدة مُنمّقة تُقدَّم بوصفها “إبادة” للكشميريين الهندوس ونفيًا أبديًا لهم.

وقد أسهمت بعض المنظمات الهندوسية، إلى جانب فاعلين سياسيين في نيودلهي، في تضخيم هذه الرواية بما يخدم أجندات سياسية محددة، على حساب حقيقة أكثر تعقيدًا.

فالذي جرى في الوادي لم يكن إبادة جماعية بالمعنى القانوني، بل كان انهيارًا سياسيًا شاملًا، تخللته أعمال عنف طائفية وسياسية، وتسييسٌ متعمد لنزاع دولي لم يُحسم حتى اليوم.

إن التعامل مع نزوح عام 1990 باعتباره أداة أخلاقية مستقلة يعزل الحدث عن سياقه الأوسع، ويُغفل الكيفية التي أعادت بها الدولة، عبر إدارتها الاستراتيجية، تشكيل الجغرافيا السياسية لكشمير خلال العقود اللاحقة.

في هذا السياق، لا يمكن النظر إلى مطالبة الدكتور أجاي شارانجو بإنشاء إقليم اتحادي باسم “كشمير الهندوسية” باعتبارها مجرد تصريح عابر.

بل تأتي هذه الدعوة ضمن سلسلة مترابطة من الخيارات السياسية التي تشير، مجتمعة، إلى مشروع مُتعمّد لإعادة رسم الحدود وإعادة هندسة التركيبة السكانية في الإقليم.

ومنذ أغسطس/آب 2019، استخدمت نيودلهي أدوات متعددة لتحقيق هذا الهدف، من بينها إلغاء المادة 370، وتقسيم جامو وكشمير إلى أقاليم اتحادية، وفرض قواعد إقامة جديدة، وإعادة ترسيم الدوائر الانتخابية.

ولم تكن هذه الإجراءات إصلاحات إدارية محايدة، بل وسائل فعّالة لتغيير من يملك حق التصويت، ومن يستطيع العمل، ومن يحق له امتلاك الأرض في كشمير المحتلة، بما يُسهّل الهندسة الطائفية على المدى الطويل.

وقد أسفرت هذه السياسات عن تفتيت فعلي لكيان سياسي كان مختلطًا تاريخيًا، وتحويله تدريجيًا إلى وحدات طائفية منفصلة. ويمكن رصد خمس نتائج إقليمية واضحة لهذا المسار: إنشاء ولاية جامو منفصلة لترسيخ أغلبية هندوسية–دوغرا؛ إبقاء وادي كشمير تحت إدارة اتحادية مركزية مع تقويض الحكم المحلي؛ تشجيع إنشاء جيوب هندوسية داخل الوادي بوصفها مناطق “آمنة”؛ فصل لاداخ وتحويلها إلى إقليم اتحادي مستقل منذ عام 2019؛ وأخيرًا، إنشاء مدن استيطانية ومناطق أمنية استراتيجية عبر تعديل قوانين الإقامة وملكية الأراضي، لفرض وقائع ديموغرافية جديدة على الأرض.

هذا النهج لا يفتقر فقط إلى الواقعية السياسية، بل ينطوي أيضًا على مخاطر جسيمة. فتحويل المظالم المشروعة، مثل التهجير والخسارة والمطالبة بالتعويض، إلى مطالبات إقليمية حصرية يهدد بانهيار دائم للتعايش المجتمعي.

ولا يمكن للضرورة الأخلاقية لإنصاف البانديت المهجّرين أن تُستخدم ذريعة لإعادة تشكيل الوادي المحتل إلى فسيفساء من الكيانات الأحادية المحمية بالقوة.

وفي المقابل، لا يجوز كذلك استخدام مأساة مجتمع واحد لتجاهل معاناة الأغلبية المسلمة التي امتدت لعقود، حيث قُتل عشرات الآلاف، واختفى الآلاف قسرًا، ووُثّقت انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، في ظل وجود عسكري كثيف شلّ الحياة المدنية والسياسية في الإقليم.

وتزداد خطورة هذه السياسات بالنظر إلى الطبيعة القانونية المتنازع عليها لكشمير. فقد أدى انضمام الأمير عام 1947، وما أعقبه من نزاع مسلح، إلى إدراج القضية على جدول أعمال الأمم المتحدة، حيث صنّفت قرارات لجنة الأمم المتحدة المعنية بالهند وباكستان ومجلس الأمن كشمير كنزاع دولي، ونصّت صراحة على إجراء استفتاء لتقرير مستقبل الإقليم.

ولا تزال هذه القرارات تشكل جزءًا لا يتجزأ من الإطار القانوني والسياسي للنزاع، رغم محاولات الهند المتكررة لتجاوزها عبر إجراءات إدارية أحادية. إن تجاهل القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة لا يؤدي إلى تطبيع ديمقراطي، بل إلى تعميق الشعور بالظلم وتقويض أي أفق لتسوية مستدامة.

المطلوب اليوم هو تبني سياسة مختلفة جذريًا، ترفض التقسيم الطائفي والوصاية الأمنية. وينبغي أن تبدأ أي عملية لإعادة تنظيم الحكم بعمليات تدقيق مستقلة وشفافة تشمل نقل الأراضي، وقوانين الإقامة، وأنماط التوظيف، والإنفاق التنموي، مع إخضاعها للمساءلة القضائية والرقابة العامة.

كما يجب إعادة صياغة قوانين الإقامة وملكية الأراضي بما يحمي السكان المقيمين منذ أمد طويل من جميع المكونات المجتمعية، ويمنع الاستيطان القائم على المضاربة أو الدوافع السياسية.

ولا يمكن أن تتحقق استعادة حقيقية للدولة دون ضمانات قابلة للتنفيذ، تشمل نزعًا تدريجيًا للسلاح، وإشرافًا مستقلًا على حقوق الإنسان، وضمانات صارمة ضد الهندسة الديموغرافية، وحماية فعّالة للأقليات، إضافة إلى حق المسلمين الذين أُجبروا على الهجرة إلى باكستان في العودة إلى ديارهم.

ومن الضروري أن تحظى هذه العملية بمراقبة دولية ودعم صريح من مجلس الأمن. فلا يمكن التوصل إلى تسوية موثوقة بينما يُفرض الواقع بقوة ما يقارب مليون جندي وبنية مؤسسية مُعاد تشكيلها.

ويمكن لإطار دولي مدعوم من مجلس الأمن أن يوفّر آلية لنزع السلاح التدريجي، ولجنة حقيقة ومصالحة مستقلة، وحكمًا ذاتيًا مؤقتًا قائمًا على تقاسم السلطة، وآلية نهائية تحترم حق تقرير المصير.

ويجب أن يكون التئام الجراح، لا التقسيم، هو المبدأ الناظم لأي حل. فمن حق البانديت العودة إلى ديارهم كمواطنين متساوين، لا كساكنين في معازل محصنة، كما يجب أن تُصان حقوق المسلمين والسيخ والدوغرا وسائر المكونات، وأن تُستعاد لهم حريتهم السياسية كاملة.

إن نيودلهي تقف اليوم أمام خيارين واضحين: إما الإدماج الديمقراطي القائم على الاعتراف بالأخطاء والانفتاح على المراجعة الدولية، أو الاستمرار في سياسة التقسيم الإداري التي لا تُنتج سوى عدم الاستقرار والعار الدولي وسلام هش قابل للانهيار في أي لحظة.

لا ينبغي أن يُكتب مستقبل كشمير بلغة الخوف أو باستغلال المظالم أو عبر التلاعب الديموغرافي. إنها تستحق عملية ديمقراطية حقيقية، مدعومة بضمانات دولية، تحترم القانون الدولي، وتحمي التعددية، وتعيد القرار إلى شعبها. وأي مسار أقل من ذلك لن يؤدي إلا إلى تحويل أرض ذات تاريخ مشترك إلى خريطة دائمة من الانقسامات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى