كشميرمقالات

مأزق كشمير.. عندما يصبح القانون الدولي حبراً على ورق

ألطاف حسين واني

إننا نشهد اختناقاً بطيئاً للنظام القانوني الدولي، ليس من خلال انسحابٍ مفاجئ أو تحدٍّ سافر، بل من خلال تراكمٍ هادئٍ للوعود الكاذبة. ولا يوجد مكانٌ يتجلى فيه هذا الأمر أكثر من كشمير، حيث تم تعليق حق تقرير المصير – الذي يُفترض أنه جوهر النظام العالمي الحديث – في حالة تأجيل دائم لمدة ثلاثة أرباع قرن.

إن حق تقرير المصير ليس مجرد طموح غامض، بل هو حجر الزاوية للشرعية الدولية. وقد تبلور هذا الحق في المادة الأولى من ميثاق الأمم المتحدة، وعززته العهود الدولية لعام 1966، ليصبح قاعدة آمرة لا يجوز التنازل عنها. وقد أكدت محكمة العدل الدولية على وجوب هذا الحق على المجتمع الدولي ككل. نظرياً، يجعل هذا حق تقرير المصير بمنأى عن المساومة السياسية. أما عملياً، فقد أثبت هذا الحق عجزه التام أمام حق النقض (الفيتو).

تكشف قضية كشمير هذا النفاق بدقة متناهية. فعندما قُسّمت الهند البريطانية عام ١٩٤٧، أصبحت ولاية جامو وكشمير الأميرية ذات الأغلبية المسلمة موضع نزاع على السيادة. ولم يُثر انضمام المهراجا المثير للجدل إلى الهند نزاعًا حدوديًا ثنائيًا فحسب، بل أزمة دولية تعاملت معها الأمم المتحدة حديثة التأسيس بوضوح غير معهود. فبين عامي ١٩٤٨ و١٩٧١، أصدر مجلس الأمن سبعة عشر قرارًا بإنشاء لجنة الأمم المتحدة للهند وباكستان، وفرض إجراء استفتاء لتحديد مستقبل الإقليم. لم تكن هذه مجرد توصيات دبلوماسية صادرة بموجب الفصل السادس، بل كانت قرارات ملزمة ونافذة قانونًا آنذاك والآن.

ومع ذلك، لم يُجرَ الاستفتاء قط. وظلت لجنة الأمم المتحدة للهند وباكستان معطلة لعقود. ولا يزال الشعب الكشميري عالقاً فيما يمكن وصفه بالمأزق القانوني، إذ يمتلك حقاً واضحاً بموجب القانون الدولي، لكنه محروم من آليات المطالبة به.

تكشف أسباب هذا الشلل عن خلل بنيوي جوهري في صميم الحوكمة العالمية. فالقانون الدولي يفتقر إلى سلطة تنفيذية. ومجلس الأمن، المصمم ليكون آلية إنفاذ القانون، يعاني من جمود بفعل الواقعية الجيوسياسية. وما بدأ كقطعة شطرنج في الحرب الباردة، تحول في الخطاب الدبلوماسي الهندي إلى “شأن داخلي ثنائي”، بينما تتعامل معه باكستان على أنه مظلمة إقليمية. وعلى الرغم من كل ذلك، ظل الشعب الكشميري موضوعًا لنقاشات القوى العظمى، ولم يكن يومًا صاحب القرار في مصيره.

كانت عواقب هذا الجمود القانوني وخيمة. ثلاث حروب، ومناوشات لا حصر لها، وعسكرة حوّلت المنطقة إلى أكثر مناطق العالم تحصينًا. لكن الأزمة بلغت ذروتها الدستورية في أغسطس/آب 2019، عندما ألغت الهند من جانب واحد المادة 370، مجرّدةً جامو وكشمير من وضعها الخاص ومقسمةً إياها إلى منطقتين اتحاديتين. لم يكن هذا مجرد تعديل دستوري داخلي، بل كان هجومًا مباشرًا على الإطار القانوني الدولي الذي حكم النزاع منذ عام 1948. عقد مجلس الأمن مشاورات غير رسمية – أول اجتماع من نوعه بشأن كشمير منذ خمسين عامًا – ليُفضي بعدها إلى الصمت. لم تكن الفجوة بين الالتزام القانوني والواقع السياسي أوسع مما هي عليه الآن.

يثير هذا الإخفاق تساؤلات وجودية حول نزاهة القانون الدولي نفسه. إذا كان حق تقرير المصير قاعدة آمرة حقًا، فما هي سبل الانتصاف لانتهاكه المستمر؟ إذا أمكن تجاهل ميثاق الأمم المتحدة لمدة سبعة وسبعين عامًا دون أي عواقب، فأي سلطة تبقى في نصه؟ إننا نواجه مفارقة: حق تقرير المصير عالمي وغير قابل للتنفيذ في آن واحد، مقدس ومعلق.

تُسلط قضية كشمير الضوء أيضاً على التوتر القائم بين ركنين متنافسين في الميثاق: السلامة الإقليمية للدول وحق الشعوب في تقرير مصيرها. إلا أن هذه المقارنة غير دقيقة. فالسلامة الإقليمية تحمي الدول من العدوان الخارجي، ولم يكن المقصود منها قط تبرير الاستعمار الداخلي أو الاحتلال العسكري غير المحدد المدة. عندما يُحرم شعبٌ ما من حقه في تحديد وضعه السياسي بالوسائل السلمية، يصبح التزام المجتمع الدولي واضحاً، حتى وإن غابت إرادته السياسية.

كما كتب الشاعر الكشميري آغا شهيد علي عن وطنه: “بلد بلا مكتب بريد”. اليوم، تمتلك كشمير عنوانًا قانونيًا في الأمم المتحدة، لكنها تفتقر إلى خدمة التوصيل. لقد فشل النظام البريدي للقانون الدولي، وعلينا أن نتساءل عما إذا كان بالإمكان إصلاحه.

لا يتعلق الأمر هنا بانحياز طرف في نزاع حدودي، بل بمدى مصداقية النظام القانوني الدولي في إنفاذ مبادئه الأساسية. إذا كان لحق تقرير المصير أي معنى، فلا بد أن يكون له معنى بالنسبة لكشمير. وإذا لم يكن كذلك، فعلينا أن نواجه ما ينذر به هذا الصمت بالنسبة لفلسطين والصحراء الغربية والشعوب التي لا حصر لها والتي لم تطالب بعد بحقوقها.

لقد وفر القانون القوة اللازمة، وقد حان الوقت لتطبيق القانون.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى