كشميرمقالات

ظلال فوق الوادي.. المعاناة الصامتة لكشمير المحتلة

سارة رسول تاوس بنيهالي

يمتد عبر تاريخ كشمير الطويل والمضطرب خيط صامت ولكنه غير منقطع من الحزن – حزن شعبها الذي قوبلت رغبته في الكرامة والحرية مراراً وتكراراً بالقوة.

في الأيام الأخيرة، ألقت تلك المعاناة المألوفة بظلالها مرة أخرى على الوادي،

حيث ظهرت تقارير عن اعتقال مئات الشباب الكشميريين في حملة قمع واسعة النطاق من قبل السلطات الهندية.

سارة رسول تاوس بنيهالي

ما قد يبدو، بلغة الإدارة الباردة، على أنه مسألة “عمليات أمنية”،

هو بالنسبة لسكان الوادي العاديين مأساة إنسانية تتكشف خلف الأبواب المغلقة.

تشير التقارير إلى أنه تم اعتقال أكثر من ثمانمائة شخص في مناطق مثل سريناجار، وغاندربال، وبودغام، وبانديبورا، وبارامولا.

وشمل المحتجزون صبية صغاراً -معظمهم مراهقون- وفي بعض الحالات شابات، تم اقتيادهم من منازلهم خلال مداهمات ليلية أو تم جمعهم في المظاهرات في جميع أنحاء الوادي.

لم تكن هذه المظاهرات نابعة من مجرد حسابات سياسية، بل من تيارات عاطفية أعمق تحرك شعب كشمير في كثير من الأحيان – التضامن مع المعاناة البعيدة والغضب من الظلم المتصور.

رد الدولة لا هوادة فيه

لكن رد الدولة كان قاسياً لا هوادة فيه. تم تفتيش المنازل في ساعات الفجر الأولى حين يسود الصمت العالم.

تم دق الأبواب بقوةٍ أرعبت الأحياء بأكملها.

شاهدت الأمهات أبناءهن يقتادون على أيدي رجال يرتدون الزي الرسمي، غير متأكداتٍ مما إذا كان الفجر التالي سيحمل عودتهم أم مزيداً من الصمت.

شعر الوادي، الذي اعتاد على وطأة السلطة الثقيلة، مرة أخرى بضيق قيوده الخفية المألوفة.

لعقود طويلة، تم وصف كشمير – ولها في ذلك ما يبرر – بأنها من أكثر المناطق عسكرة في العالم. ولا يزال عدد هائل من أفراد الأمن متمركزين في أرجاء الإقليم،

مخوَّلين بتشريعات استثنائية كقانون الصلاحيات الخاصة للقوات المسلحة، وهو قانون يمنح سلطات واسعة النطاق باسم حفظ النظام.

بالنسبة للسلطات، يشكل هذا القانون أداة ضرورة، أما بالنسبة لكثير من الكشميريين، فهو يُمثل شيئًا أشد قتامة – تقنينًا لحياة يعيشونها تحت وطأة الشك الدائم.

ذكريات متشابكة

ما يجعل اللحظة الراهنة مؤثرة بشكل خاص هو صغر سن المحتجزين. فقد نشأ جيل الشباب في الوادي وسط حظر التجول، وانقطاع الإنترنت بشكل متقطع.

ذكريات طفولتهم متشابكة مع هدير المركبات المدرعة ونظرات الجنود المتمركزين في زوايا الشوارع.

عندما يخرج هذا الجيل إلى الشوارع، حتى في مظاهرة سلمية، فإنه يفعل ذلك مثقلاً بإحباطات تراكمت على مدى حياته.

في بيوت كشمير الهادئة،

يجلس أبٌ عند عتبة بابه ينتظر أي خبر عن ابنه. تعيد أختٌ تشغيل هاتفها مرارًا وتكرارًا، على أمل أن تعود الشبكة فجأةً حاملةً رسالة طمأنينة.

 تهمس أمٌّ بالدعاء في سكون الليل. هذه ليست الصور التي تظهر في البيانات الرسمية، لكنها تشكّل المشهد الحقيقي للمأساة.

أدان مؤتمر الحريات لجميع الأحزاب، وهو صوت بارز في الحياة السياسية الكشميرية، الاعتقالات بأشد العبارات.

ويؤكد ممثلوه أن هذه الاعتقالات الواسعة النطاق تهدف إلى قمع ليس فقط الاحتجاجات، بل حتى الشعور بالمعارضة نفسه.

وسواء اتفق المرء مع رؤيتهم السياسية أم لا، فإن تصريحاتهم تعكس شعوراً شائعاً بين الكشميريين العاديين:

وهو أن هامش التعبير السلمي قد ضاق بشكل خطير.

السكينة لا تنبع من ظل القوة

في غضون ذلك، تؤكد السلطات الإدارية على ضرورة التدابير الأمنية للحفاظ على الاستقرار ومنع الاضطرابات.

وهي حجة كثيراً ما تستخدمها الحكومات التي تواجه الاضطرابات.

إلا أن التاريخ يذكّرنا مراراً وتكراراً بأن الاستقرار المفروض بالخوف نادراً ما يفضي إلى سلام دائم.

فالسكينة الحقيقية لا تنبع من ظل القوة، بل من وجود العدالة والحوار.

وبعيداً عن الجدالات السياسية، يكمن السؤال الإنساني الأكثر ديمومة:

إلى متى يمكن لمجتمع أن يتحمل دوامة كهذه من المظالم والقمع قبل أن تبدأ روحه بالتصدع؟

كشمير، التي اشتهرت عبر التاريخ بجمالها الآسر – بحيراتها المتلألئة تحت سماء جبال الهيمالايا وبساتينها المزهرة في الربيع –

أصبحت في كثير من الأحيان مسرحاً للحزن بدلاً من السكينة.

في سالف الزمان، وصف الشعراء والرحالة الوادي بأنه جنة على الأرض.

أما اليوم، فتتردد في تلك الوديان نفسها حكايات تُتناقل همساً بين البيوت:

عن أبناءٍ تم اعتقالهم من ديارهم، وعن مظاهراتٍ مفروضة، وعن حظر تجولٍ يطبق على المدن كشتاءٍ مفاجئ.

إن التناقض بين روعة الطبيعة في تلك الأرض ومعاناتها السياسية يكاد يكون لا يُطاق في شدته.

شعب كشمير يواصل العيش

ومع ذلك، وسط هذا الحزن، تبرز مرونةٌ لافتة. فشعب كشمير يواصل العيش والعمل والتمسك بالأمل حتى في ظروفٍ كان من الممكن أن تُطفئ روح مجتمعٍ أقل ثباتًا.

ولعل هذا الصمود الهادئ هو ما يشكّل أعمق شهادةٍ على الوادي، شهادةٌ على أن المعاناة، وإن كانت شديدة، لم تُهزم إرادة الإنسان تمامًا.

بالنسبة للعالم أجمع، ينبغي أن تكون الأحداث الجارية في كشمير بمثابة تذكير جاد. فالصراعات التي تستمر لأجيال لا يمكن حلها بلغة الإكراه وحدها،

بل تتطلب الصبر والتعاطف، وقبل كل شيء، الاستعداد لسماع أصوات أولئك الذين تتأثر حياتهم بشكل مباشر بهذا النزاع.

كشمير ترزح تحت وطأة حزنها

إلى أن تحين تلك اللحظة، سيظل الوادي يرزح تحت وطأة حزنه، أرضٌ ذات جمالٍ لا يضاهى، ولكنها أيضاً أرضٌ تمتزج فيها صرخات الحزن برياح الجبال.

وفي ساحات بيوت الكشميريين الصامتة، سيظل الدعاء نفسه يتردد ليلاً بعد ليل: أن ينزل العدل والرحمة والسلام يوماً ما على هذه الجنة المضطربة.

الكاتبة باحثة متخصصة في تاريخ كشمير وثقافتها وواقعها المعاصر.

يمكن التواصل معها عبر البريد الإلكتروني: rasoolsara134@gmail.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى