
انحرفت السياسة الخارجية الهندية في مارس 2026 انحرافًا حاداً، حيث يرى المحللون أن رئيس الوزراء ناريندرا مودي قد أتمّ نقل بلاده من “منطقة الحياد” إلى قلب المعسكر الأمريكي-الإسرائيلي.
هذا التحول لم يعد مجرد تنسيق دبلوماسي عابر، بل أصبح اصطفافاً بنيوياً يغير وجه آسيا.
إن التوقيت الحرج لزيارة مودي إلى تل أبيب في فبراير، والتي سبقت الضربات العسكرية ضد إيران بـ 48 ساعة فقط، يضع الهند في موقف “الشريك الصامت” في إعادة تشكيل المنطقة بالقوة العسكرية.
شرخ الثقة مع طهران والارتهان لواشنطن
لطالما كانت إيران الرئة الجيوسياسية للهند للوصول إلى أفغانستان وآسيا الوسطى،
إلا أن الصمت الهندي المطبق حيال استهداف البنية التحتية الإيرانية واغتيال قياداتها يعكس تبدلاً جذرياً في العقيدة الأمنية لنيودلهي.
هذا “البرود الدبلوماسي” تجاه طهران، الصديق التاريخي، يأتي في سياق مقايضة كبرى؛
حيث تسعى الهند للحصول على اعتراف أمريكي كامل كشرطي للمنطقة، مقابل التخلي عن تحالفاتها التقليدية التي كانت تمنحها استقلالية القرار.
السقوط الأخلاقي وتحدي العدالة الدولية
تثير العلاقة الوثيقة بين مودي وبنيامين نتنياهو تساؤلات أخلاقية عميقة، خاصة وأن الأخير يواجه مذكرات توقيف دولية بتهم ارتكاب جرائم حرب.
إن احتضان مودي العلني لزعيم ملاحق دولياً، وتجاهله الصارخ لمأساة غزة التي حصدت أرواح أكثر من 73 ألف فلسطيني، يمثل قطيعة تامة مع إرث غاندي وجواهر لال نهرو.
هذا التوجه يضع الهند في موقف المتواطئ أخلاقياً أمام شعوب الجنوب العالمي التي كانت تنظر لنيودلهي كمنارة للعدالة.
تآكل زعامة الجنوب العالمي
لطالما روجت الهند لنفسها كقائدة للدول النامية و”صوت المحرومين” في المحافل الدولية،
لكن اصطفافها الحالي ينسف هذه السردية من جذورها. فمن خلال التصويت ضد قرارات وقف إطلاق النار أو الامتناع عنها في الأمم المتحدة، تخلت الهند عن دورها كـ”وسيط نزيه”.
هذا الفراغ القيادي الذي تركته نيودلهي بدأ يتحول بالفعل لصالح قوى منافسة مثل الصين،
التي سارعت لملء المساحة الأخلاقية والسياسية بتبني مواقف أكثر توازناً وانحيازاً لحقوق الشعوب.
الضغوط الداخلية وتهمة “الجبن الأخلاقي”
على الصعيد المحلي، لم يمر هذا التحول دون معارضة شرسة؛ حيث وصفت القوى السياسية المعارضة،
وعلى رأسها حزب المؤتمر، موقف مودي بـ “القمة في الجبن الأخلاقي”.
يرى النقاد أن مودي يضحي بمصالح الهند طويلة الأمد وعلاقاتها التاريخية مع العالم الإسلامي من أجل أيديولوجية ضيقة تتماشى مع توجهات حزب “بهاراتيا جاناتا”.
هذا الانقسام الداخلي يعكس صراعاً على هوية الهند الدولية: هل تظل قوة مستقلة أم تتحول إلى ترس في الماكينة الاستراتيجية الغربية؟
المخاطر الجيوسياسية والعزلة الإقليمية
إن الانحياز الكامل لمحور واشنطن-تل أبيب يضع المصالح الاقتصادية الهندية في خطر، خاصة فيما يتعلق بأمن الطاقة وممرات التجارة مع دول الخليج وإيران.
تجاهل الهند للضحايا المدنيين في الهجمات الأخيرة، واكتفاؤها بالتنديد فقط عندما تمس مصالح حلفاء واشنطن، يكرس صورة “الازدواجية” في معاييرها.
هذا المسار قد يؤدي بالهند إلى عزلة إقليمية في محيطها الآسيوي، حيث تبحث الدول المجاورة عن شركاء أكثر موثوقية وثباتاً في مواقفهم.
آفاق المستقبل والرهان الخاسر
في نهاية المطاف، يبدو أن مودي يراهن على أن التحالف مع القوة العسكرية والتكنولوجية الأمريكية-الإسرائيلية سيعزز مكانة الهند كقوة عظمى.
إلا أن هذا الرهان يتجاهل حقيقة أن القوة الدولية لا تُبنى فقط على السلاح، بل على الشرعية والمصداقية.
إن خسارة الهند لبوصلتها الأخلاقية في عام 2026 قد تكون الثمن الباهظ الذي ستدفعه أجيال المستقبل،
حيث ستجد نيودلهي نفسها في مواجهة عالم لم تعد فيه “قائدة” بل مجرد “تابع” ينفذ أجندات لا تخدم استقراره الإقليمي.
المصدر: الرائد



