كشميرمقالات

«الاختفاء القسري».. جريمة عالمية لا تزال تطارد كشمير

د. غلام نبي فاي

عندما افتتحت لجنة الأمم المتحدة المعنية بحالات الاختفاء القسري دورتها الثلاثين في جنيف في 9 مارس/آذار 2026 (والتي ستستمر حتى 19 مارس/آذار 2026)، فعلت ذلك تحت شعار قوي وعاجل: “الضحايا أولاً. تحرك فوري”.

لم يكن من الممكن أن يكون هذا الشعار أكثر ملاءمةً للوقت الراهن. ففي العديد من مناطق العالم، لا تزال حالات الاختفاء القسري تُلحق دماراً بالعائلات وتقوض سيادة القانون.

إلا أن هذه الكلمات تحمل معنىً عميقاً بشكل خاص لآلاف العائلات في كشمير، لأن بحثهم عن الحقيقة لم يدم سنوات بل عقوداً.

د. غلام نبي فاي

لجنة حالات الاختفاء القسري هي هيئة من الخبراء المستقلين المسؤولين عن رصد تنفيذ «الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري»، التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة قبل عشرين عاماً.

وتتألف اللجنة من عشرة خبراء مستقلين يعملون بصفتهم الشخصية، وهي تمثل اعتراف المجتمع الدولي بأن الاختفاء القسري يُعدّ من أخطر انتهاكات حقوق الإنسان.

في افتتاح الدورة الحالية، ذكّر رئيس اللجنة، البروفيسور خوان بابلو ألبان ألينكاسترو، والخبير القانوني الإكوادوري، العالمَ بالسبب الرئيسي لإنشاء الاتفاقية.

فقبل عشرين عامًا، أكد المجتمع الدولي بشكل قاطع أنه لا يجوز حرمان أي شخص من حماية القانون،

وأن الاختفاء القسري يعدّ من أخطر انتهاكات حقوق الإنسان التي يمكن تصورها.

وقد وضعت الاتفاقية لتكون بمثابة تكريم لكرامة الضحايا وضمانة ضد تكرار مثل هذه الجرائم.

ومع ذلك، حذرت الرئيسة أيضاً من أن السياق العالمي الذي تعمل فيه الاتفاقية حالياً يزداد إثارة للقلق.

فقد تزايدت النزاعات، وتعززت النزعات الاستبدادية في أجزاء كثيرة من العالم، واكتسبت الخطابات التي تسعى إلى تقويض عالمية حقوق الإنسان زخماً متزايداً.

في ظل هذه الظروف، تبقى الآليات الدولية، مثل لجنة حالات الاختفاء القسري، من بين الأدوات القليلة المتاحة للضحايا، سعياً لتحقيق العدالة والمساءلة.

اتفاقية منع حالات الاختفاء القسري

أكد البروفيسور أنتي كوركياكيفي، رئيس فرع معاهدات حقوق الإنسان في مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، هذا القلق في كلمته الافتتاحية.

وأشار إلى أن الاتفاقية لا تزال المعاهدة العالمية الوحيدة المخصصة تحديدًا لمنع حالات الاختفاء القسري والقضاء عليها.

وتكمن في جوهرها حقوق الضحايا في معرفة الحقيقة وتحقيق العدالة والتعويض.

ومع ذلك، حذر أيضًا من أن نظام حقوق الإنسان نفسه يواجه قيودًا مؤسسية ومالية غير مسبوقة، في حين تستمر الانتهاكات في جميع أنحاء العالم.

أصبحت آلية العمل العاجل للجنة من أهم الأدوات المتاحة للضحايا.

فمن خلالها، تستطيع العائلات رفع قضايا الاختفاء القسري مباشرةً إلى الأمم المتحدة،

ما يدفع اللجنة إلى طلب توضيحات فورية من الحكومات والضغط من أجل اتخاذ خطوات ملموسة للعثور على المفقودين.

ويظهر وجود هذه الآلية أن حالات الاختفاء القسري ليست من مخلفات الماضي، بل لا تزال واقعاً يومياً في العديد من مناطق العالم.

الاختفاء يطارد آلاف العائلات

لسوء الحظ، تعد كشمير من بين تلك المناطق التي لا يزال ألم الاختفاء يطارد آلاف العائلات.

بحسب منظمة العفو الدولية، اختفى ما لا يقل عن 8000 شخص في كشمير بين عامي 1989 و2012.

وأشارت تقارير وزارة الخارجية الأمريكية القطرية حول ممارسات حقوق الإنسان إلى اختفاء ما بين 8000 و10000 شخص في جامو وكشمير بين عامي 1989 و2006، وفقًا لمنظمات حقوق الإنسان.

أما بالنسبة للعائلات التي تُركت وراءها – الأمهات والآباء والأزواج والأطفال – فقد أصبح هذا الغموض عذابًا مدى الحياة.

إن أحد أكثر جوانب الاختفاء القسري إيلاماً هو هذا الغموض تحديداً.

الأمم المتحدة والاختفاء القسري

وقد أكد فريق الأمم المتحدة العامل المعني بحالات الاختفاء القسري أو غير الطوعي مراراً وتكراراً أن الاختفاء يعد انتهاكاً مستمراً لحقوق الإنسان طالما بقي مصير الشخص المفقود أو مكان وجوده مجهولاً.

بعبارة أخرى، لا تنتهي المعاناة بالاختفاء نفسه، بل تستمر يوماً بعد يوم، عاماً بعد عام، ما دامت الحقيقة مخفية.

في كشمير، غالباً ما تواجه عائلات المختفين قسراً عقبات قانونية وسياسية هائلة في سعيها للحصول على إجابات.

فقوانين مثل «قانون الصلاحيات الخاصة للقوات المسلحة» تمنح قوات الأمن حصانات واسعة،

مما يجعل الملاحقة القضائية في المحاكم المدنية بالغة الصعوبة دون إذن مسبق من الحكومة المركزية.

وقد أكدت منظمات حقوق الإنسان منذ زمن طويل أن مثل هذه الأحكام تخلق مناخاً من الإفلات من العقاب، الأمر الذي يثبط إجراء تحقيقات جادة.

تقارير منظمات المجتمع المدني

أثارت تقارير منظمات المجتمع المدني والمنظمات الدولية مرارًا وتكرارًا مخاوف بشأن الاعتقال التعسفي والتعذيب والاختفاء القسري في المنطقة.

ووثّق تقرير مشترك صادر عن ائتلاف جامو وكشمير للمجتمع المدني ورابطة أهالي المفقودين مئات الشهادات التي تصف التعذيب وسوء المعاملة على أيدي قوات الأمن على مدى عقود.

وكشفت تحقيقات أخرى عن مقابر جماعية ومقابر مجهولة، يُعتقد أن بعضها يضم رفات من اختفوا خلال النزاع.

أشار مكتب المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان إلى معلومات موثوقة بشأن حالات الاختفاء القسري، وإلى الحاجة الملحة لإجراء تحقيقات مستقلة في الانتهاكات المزعومة لحقوق الإنسان في كشمير.

ويؤكد المكتب أن غياب المساءلة لا يزال أحد أخطر العقبات التي تحول دون تحقيق العدالة.

المدافعون المحليون عن حقوق الإنسان

لعب المدافعون المحليون عن حقوق الإنسان دورًا محوريًا في توثيق هذه الانتهاكات.

ومن أبرز الشخصيات خرم برويز، الناشط الحقوقي الكشميري، ومنسق ائتلاف جامو وكشمير للمجتمع المدني، ورئيس «الاتحاد الآسيوي لمناهضة الاختفاء القسري» ومقره الفلبين.

ساهم برويز وزملاؤه في إعداد تقرير تاريخي من 799 صفحة بعنوان «بنية العنف»، يوثق أنماط انتهاكات حقوق الإنسان في المنطقة.

وقد سلم برويز نفسه نسخًا ورقية من التقرير إلى العديد من المؤسسات الدولية،

بما في ذلك مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان ومكتب الأمين العام للأمم المتحدة.

ومن المفارقات أن برويز نفسه أصبح فيما بعد موضع قلق دولي.

ففي نوفمبر 2021، أُلقي القبض عليه بموجب قانون منع الأنشطة غير المشروعة في الهند،

وهو قانون يسمح باحتجاز الأفراد لفترات طويلة دون توجيه تهم رسمية.

إساءة استخدام تشريعات مكافحة الإرهاب

ووصفت منظمة العفو الدولية اعتقاله بأنه مثال آخر على إساءة استخدام تشريعات مكافحة الإرهاب لإسكات المدافعين عن حقوق الإنسان وقمع المعارضة.

قالت البروفيسورة ماري لولر، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالمدافعين عن حقوق الإنسان: «خرم برويز ليس إرهابياً، بل هو مدافع عن حقوق الإنسان».

وقد صنّفت مجلة تايم الأمريكية خرم برويز ضمن قائمة أكثر 100 شخصية مؤثرة في العالم عام 2022.

حصلت بارفينا أهانجر، مؤسسة «رابطة أهالي المفقودين» في كشمير، والمعروفة في كشمير باسم «المرأة الحديدية»، على جائزة رافتو النرويجية تقديرًا لجهودها الدولية في مجال قضايا المفقودين في كشمير، بمن فيهم ابنها.

وكما حذر خبراء الأمم المتحدة في بيانات حديثة، فإن الإجراءات الأمنية المفرطة التي تنتهك كرامة الإنسان قد تؤدي في نهاية المطاف إلى تعميق الانقسامات بدلًا من حلها.

الضحايا أولاً.. العمل الفوري

ولهذا السبب تحديداً فإن الشعار الذي اعتمدته لجنة حالات الاختفاء القسري هذا العام – «الضحايا أولاً.. العمل الفوري» – له أهمية بالغة.

بالنسبة لأمهات المختفين قسراً في كشمير، اللواتي تظاهرن بصمت لعقود حاملات صور أبنائهن المفقودين، فإن مطلبهن بسيط ومؤلم:

الحقيقة. إنهن يرغبن في معرفة ما حدث. إنهن يرغبن في الحق في الحداد بيقين بدلاً من العيش في شك دائم.

لا يمكن للمجتمع الدولي أن يدّعي احترام اتفاقية مناهضة الاختفاء القسري بينما يتجاهل القضايا العالقة التي لا تزال تطارد كشمير.

إن التحقيقات المستقلة والشفافية والمساءلة ليست أعمالاً عدائية تجاه أي دولة؛ بل هي خطوات أساسية نحو العدالة والمصالحة.

بعد عشرين عاماً من اعتماد الاتفاقية، لا يزال الوعد الذي جسدته غير مكتمل.

وتتيح الدورة الثلاثون للجنة المعنية بالاختفاء القسري للعالم فرصة لإعادة تأكيد هذا الوعد.

بالنسبة لآلاف العائلات التي لا تزال تنتظر في كشمير، يجب أن تكون الرسالة واضحة: أصواتهم مسموعة، ومعاناتهم معترف بها،

ولن نتخلى عن البحث عن الحقيقة. عندها فقط ستصبح عبارة “الضحايا أولاً. تحرك فوري” أكثر من مجرد شعار، بل ستصبح واقعاً ملموساً.

– الدكتور فاي هو رئيس المنتدى العالمي للسلام والعدالة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى