مقالات

كشمير على ضمير العالم: هل العقوبات مخصصة للضعفاء فقط؟

بقلم: مشتاق حسين

هل يستطيع شعب كشمير أن يطالب بحقه الأصيل، المعترف به في القانون الدولي والمؤيد بقرارات الأمم المتحدة، أي حق تقرير المصير، من خلال الصراخ العاجز وإراقة الدماء والمعاناة الصامتة فقط؟

وإن لم يكن ذلك كافيًا، فإلى متى يجب أن يستمر هذا الانتظار؟

جيل آخر؟ عقد آخر؟ أم آلاف القبور الإضافية المدفونة في ظلال الصمت؟

هذا السؤال ليس جديدًا.

لأكثر من سبعين عامًا، يناشد شعب كشمير القوى العالمية والعالم المتحضر، وعلى رأسها الأمم المتحدة. لم تكن هذه المناشدات كلمات عابرة، بل كُتبت بالدم والمعاناة. تجاوزت الاحتجاجات والشعارات، وتجسدت في مهود أمهات فارغة، وبيوت مدمرة، وبنات منتهكة، وقبور بلا أسماء.

ومع ذلك، يبقى السؤال قائمًا:

إذا كان العالم على دراية كاملة بما يحدث في كشمير، فلماذا هذا الصمت المريب؟

كشمير ليست شأنًا داخليًا للهند.

وضعها راسخ في التاريخ والقانون والدبلوماسية الدولية. قرارات الأمم المتحدة، والوعود بإجراء استفتاء، والضمانات الدولية بالوساطة، كلها حقائق ثابتة لا يمكن إنكارها. ورغم ذلك، تستمر الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، بينما يقتصر الرد العالمي على إدانات خجولة ومتقطعة.

أي نوع من الإدانة يفشل في إيقاف الظالم؟

وأي احتجاج يترك الضحايا دون عدالة؟

وأي ضمير عالمي يكتفي بـ“القلق” بينما تستمر الجرائم؟

الحقيقة أن بيانات الإدانة لا تُغني عن العدالة.

لا تشفي الجراح، ولا تحمي الأبرياء، ولا تعيد الحياة إلى القبور. ولو كانت الكلمات وحدها كافية، لما عاشت كشمير أحد أطول وأثقل الحصارات العسكرية في العالم.

المسألة الحقيقية هي ازدواجية المعايير الدولية.

فالعالم لا يتردد في فرض عقوبات وعزلة وضغوط سياسية على دول معينة استنادًا إلى تهديدات محتملة أو روايات غير مثبتة. يكفي الادعاء بحماية “السلام العالمي” لفرض العقوبات فورًا.

فلماذا لا تُطبق المعايير ذاتها على الجرائم الموثقة والمستمرة في كشمير منذ عقود؟

الجواب واضح: سياسة المصالح.

الهند سوق كبرى وحليف استراتيجي، ولذلك تُغضّ الطرف عن انتهاكاتها. تصبح حقوق الإنسان انتقائية، وتتحول العدالة إلى أداة بيد الأقوياء. لكن التاريخ أثبت أن التضحية بالعدالة من أجل المصالح لا تمر دون ثمن.

لقد تجاوزت الهند، في ممارساتها، كونها مجرد دولة.

أصبحت مصدرًا لعدم الاستقرار الإقليمي، تؤثر سياساتها على الكشميريين، وعلى الأقليات داخلها، وعلى الدول المجاورة. داخليًا يتجلى ذلك في التطرف الديني وقمع المعارضة وتقييد الإعلام، وخارجيًا في نهج عدائي ممنهج.

الفظائع في كشمير موثقة ومروّعة:

حظر تجول ممتد لسنوات شلّ الحياة اليومية

حالات اختفاء قسري دون استعادة الجثامين

هدم منازل ومصادرة ممتلكات

عنف جنسي ضد النساء والأطفال

قبور مجهولة شاهدة على غياب العدالة

هذه ليست أرقامًا، بل مأساة إنسانية يعيشها شعب بأكمله، بينما يواصل العالم صمته.

ترتكب الهند أفعالًا ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، دون محاسبة حقيقية أو عقوبات رادعة. وهنا يبرز السؤال الأخطر:

هل أصبحت القوة درعًا للإفلات من العقاب؟

الشعب الكشميري لا يطلب صدقة، ولا ينتظر منحة.

إنه يطالب بتنفيذ وعد قطعه العالم. حق تقرير المصير ليس امتيازًا، بل التزام قانوني وأخلاقي. تجاهله لا يضر بالكشميريين وحدهم، بل يقوض مصداقية الأمم المتحدة ذاتها.

إذا عجزت الأمم المتحدة عن تنفيذ قراراتها، فما جدواها للمضطهدين؟

وإذا انهار القانون الدولي أمام الأقوياء، فأين الأمل في العدالة؟

لم يعد الوقت مناسبًا للقلق اللفظي.

المطلوب إجراءات ملموسة: تحقيقات مستقلة، محاسبة حقيقية، ضغط دبلوماسي واقتصادي، وخارطة طريق واضحة وقابلة للتنفيذ لحق تقرير المصير. بدون ذلك، سيظل السلام في كشمير وهمًا.

ويبقى السؤال يتردد بإلحاح أكبر:

إلى متى ستراقب القوى العالمية من منظور مصالحها بينما تُراق دماء الكشميريين؟

وإلى متى ستزداد القبور المجهولة بينما يظل ضمير العالم صامتًا؟

قضية كشمير ليست قضية إقليم فحسب، بل اختبار للإنسانية جمعاء.

والتاريخ لا ينسى… ولا يغفر لمن صمتوا أمام الظلم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى