كشمير وهندسة السيطرة: كيف تعيد الهندسة الاستعمارية تشكيل نزاع معترف به دولياً

بقلم: مشتاق حسين
إن قضية كشمير ليست شأناً إدارياً داخلياً، ولا مجرد نزاع حدودي بين جارتين نوويتين. إنها نزاع معترف به دولياً، أقرت به قرارات عديدة لـ الأمم المتحدة، والتي أكدت حق الشعب الكشميري في تقرير مصيره السياسي. ومنذ عام 1947، ظل هذا الوعد معلقاً. وبدلاً من ذلك، حوّلت بنية معقدة من إعادة الهيكلة القانونية، والتغيير الديموغرافي، وحكم المراقبة، والإكراه السياسي، جامو وكشمير المحتلة بشكل غير شرعي من قبل الهند إلى ما يشبه مختبراً للهندسة الاستعمارية الحديثة.
لفهم خطورة التطورات الأخيرة، لا بد من تجاوز الإعلانات السياسية المنفردة ودراسة البنية التراكمية التي يجري بناؤها. تسارع هذا التحول في أغسطس 2019، عندما ألغت نيودلهي من جانب واحد المادتين 370 و35أ من الدستور الهندي، مجرّدةً جامو وكشمير من استقلالها الدستوري المحدود. رافق ذلك انقطاع شامل للاتصالات، واعتقال قادة سياسيين موالين للهند، وفرض إجراءات أمنية مشددة غير مسبوقة. لم يكن الأمر مجرد تعديل دستوري، بل تفكيكاً لاتفاق سياسي حدد علاقة المنطقة بالاتحاد الهندي لعقود.
ما تلا ذلك لم يكن تطبيعاً إدارياً، بل إعادة هيكلة جذرية. ففي مقاطعة كيشتوار، أصدر نائب المفوض بانكاج كومار شارما أمراً يقضي بوضع جمع التبرعات الخيرية خلال شهر رمضان تحت “التنظيم والمراقبة والرقابة”. ورغم أن الإجراء يبدو بيروقراطياً، فإنه يعكس نمطاً أوسع تُعاد فيه صياغة الممارسات الدينية من منظور أمني.
عندما تخضع الأعمال الخيرية، وهي ركن أساسي من أركان الحياة الدينية الإسلامية، لتدقيق استثنائي، تصبح الرسالة واضحة. تُعامل الممارسات الروحية على أنها مخاطر أمنية محتملة، في إشارة سياسية تضع مجتمعاً كاملاً تحت طائلة الشك.
لا يمكن فصل هذه الإجراءات عن المناخ الأيديولوجي الذي شكّل السياسة في عهد رئيس الوزراء ناريندرا مودي وحزب حزب بهاراتيا جاناتا، حيث ترسخت هوية وطنية أغلبية أعادت تعريف الإطار الذي تُفهم من خلاله كشمير.
إلغاء الحكم الذاتي عام 2019 شكّل الأساس القانوني لهذا المشروع، فيما عززت السياسات اللاحقة أبعاده الديموغرافية والمؤسسية. توسعت حقوق الإقامة لغير المقيمين، وعُدلت قوانين ملكية الأراضي، ما سمح بشراء العقارات من خارج الإقليم. ورغم تقديم ذلك كتشجيع للاستثمار، فإن له دلالات عميقة في منطقة متنازع عليها دولياً.
في النزاعات الإقليمية، لا تُعدّ الديموغرافيا مسألة محايدة، بل عاملاً سياسياً حاسماً. تغيير التوازن السكاني في منطقة ذات أغلبية مسلمة يحمل سمات الهندسة الديموغرافية المرتبطة تاريخياً بالنماذج الاستعمارية الاستيطانية.
كما خضعت المؤسسات الدينية لرقابة مركزية متزايدة، مع تشديد الإشراف على الأوقاف، وتكثيف التدقيق في النشاطات الدينية. ورغم أن كل إجراء قد يبدو منفرداً تحديثاً تنظيمياً، فإن تراكمها يشير إلى تطويق منهجي للهياكل المجتمعية المستقلة.
الأجهزة الأمنية لعبت دوراً محورياً عبر تحقيقات واعتقالات بموجب قوانين مكافحة الإرهاب الموسعة، ما أدى إلى اندماج بين الإدارة المدنية وإدارة الأمن، في ما يسميه بعض الباحثين “الاستثناء الدائم”.
ورغم هذه التحولات، لا يزال وضع كشمير معترفاً به دولياً كنزاع، إذ تؤكد قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة مبدأ تقرير المصير. التعديلات الدستورية الأحادية لا تلغي الالتزامات الدولية.
السؤال المطروح عالمياً هو ما إذا كانت إعادة الهيكلة تمثل اندماجاً إدارياً أم تحولاً مقصوداً يعيد تشكيل هوية وفاعلية سياسية في فضاء متنازع عليه.
نادراً ما تتخذ الهندسة الاستعمارية المعاصرة شكلاً إمبراطورياً مباشراً؛ فهي تعمل عبر تعديلات قانونية تدريجية وآليات إدارية هادئة، لكن أثرها التراكمي عميق.
إن استمرار عدم الاستقرار في كشمير يعكس تأجيل الحل السياسي، لا فرط التدخل فيه. فالنزاعات المتجذرة في الهوية لا تُحل بإعادة صياغة القوانين وحدها.
تقف كشمير اليوم بين مسارين: تسوية تفاوضية تستند إلى القانون الدولي وإرادة شعبها، أو ترسيخ تدريجي لمركزية السلطة وإعادة التوازن الديموغرافي. قد تحقق هذه الإجراءات سيطرة إدارية، لكنها لا تضمن مصالحة دائمة.
تبقى القضية اختباراً لما إذا كانت الالتزامات الدولية والحريات المدنية ستظل ذات معنى في المناطق المتنازع عليها، أم أن إعادة تغليف الهندسة الاستعمارية تحت مسمى الإصلاح الدستوري ستقوّض بنية المعايير الدولية نفسها.


