مهر النساء تكتب: عندما تحل السلطة محل القانون.. تتجه جنوب آسيا إلى الهاوية
كيف تُعيد الأحادية الأمريكية تشكيل المعايير العالمية وتمنح الهند مساحة للتصعيد ضد جيرانها؟

يشهد النظام الدولي تحولاً خطيراً؛ فما كان يعمل، وإن كان على نحو غير كامل، كنظام قائم على القواعد، يتلاشى سريعاً ليحل محله مجال تحكمه القوة الغاشمة، والانتقائية في تطبيق القانون، والإكراه.
أما المعايير التي كان يفترض أن تقيد الأقوياء وتحمي الضعفاء، فتُفرغ من مضمونها أمام أعين العالم.
لم تقتصر المغامرات الأحادية التي انتهجها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بدءاً من فنزويلا وامتداداً إلى غزة وإيران وأفغانستان، على زعزعة استقرار مناطق محددة فحسب، بل أدت أيضاً إلى تآكل الأسس التي يقوم عليها الأمن الجماعي.

بالنسبة لجنوب آسيا
لا يُعدّ هذا التآكل أمراً مجرداً أو بعيداً، بل هو واقع ملموس وهيكلي، يمسّ الحدود والدبلوماسية والاستقرار الداخلي لدول المنطقة.
في عالمٍ تتزايد فيه هيمنة القوة على القانون، تصبح النزاعات العالقة منذ زمنٍ طويل معرّضةً للتسوية لا عبر الحوار أو التحكيم، بل عبر القوة المقنّعة بحجة الحتمية.
اختطاف رئيس فنزويلا
شكّل الاعتقال القسري ونقل رئيس فنزويلا إلى الولايات المتحدة، دون تفويض من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، قطيعةً حاسمةً مع الأعراف القانونية الدولية.
تنص المادة 2(4) من ميثاق الأمم المتحدة صراحةً على حظر التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد الاستقلال السياسي لأي دولة.
ومع ذلك، تم تجاهل هذا الحظر. كانت الرسالة واضحة: السيادة مشروطة، والقانون الدولي لا يلزم إلا عندما يتوافق مع القوة.
لم يكن هذا الفعل شذوذًا أو زلة عابرة، بل كان إعلانًا عن نوايا.
فبكسرها لمحرمٍ راسخ، لم تضر واشنطن بمصداقيتها فحسب، بل أرست سابقةً ذات تداعيات عالمية.
وقد تعلمت دول أخرى، تراقب عن كثب، أنه إذا كانت القوة كافية والعواقب قابلة للإدارة، يمكن التلاعب بالقواعد أو تجاهلها.
إن الأثر التراكمي لمثل هذه الدروس مدمّر، إذ يضعف ضبط النفس الذي يمنع الأزمات الإقليمية من التفاقم إلى حروبٍ أوسع نطاقًا.
انهيار صورة ترامب
انهارت صورة ترامب التي حرص على بنائها بعناية كصانع سلامٍ قائم على المصالح المتبادلة تحت وطأة هذه التصرفات.
لم يعد يُنظر إليه كوسيط قادر على التوصل إلى حلول وسط، بل كمحفزٍ لعدم الاستقرار.
هذا الانهيار في السمعة له تداعيات استراتيجية تتجاوز واشنطن بكثير.
فأي مبادرة سلام تنطلق من الولايات المتحدة، سواء في غزة أو جنوب آسيا أو الخليج العربي، باتت تقابل بتشكيك عميق.
بالنسبة لجنوب آسيا، التي تسكنها دولتان مسلحتان نووياً، فإن تآكل آليات الوساطة الموثوقة يزيد من مخاطر التصعيد ويضيق المنافذ الدبلوماسية للخروج من الأزمة.
كانت أولى ضحايا فقدان الثقة هذا خطة ترامب المقترحة للسلام في غزة.
حتى قبل أزمة فنزويلا، كانت الدول الإسلامية داخل منظمة التعاون الإسلامي تبدي تحفظات جدية.
كانت بنية الخطة قسرية بطبيعتها، إذ نصّت على إنشاء قوة استقرار دولية، تتألف في غالبيتها من جنود من دول إسلامية مثل باكستان وبنغلاديش، مكلّفة بنزع سلاح حماس.
اقتراح ساخر
كان هذا المقترح ينم عن استغلال استراتيجي. فبعد سنوات من العمليات العسكرية الإسرائيلية المتواصلة،
التي اتسمت بالقصف العشوائي وحروب الحصار والخسائر الفادحة في صفوف المدنيين، فشلت إسرائيل في تفكيك حركة حماس.
وكان حل ترامب هو إسناد هذا الفشل إلى جيوش إسلامية، متخليًا بذلك عن التكلفة السياسية والمسؤولية الأخلاقية.
وكان من المقرر نقل عبء فرض الوضع الراهن الجائر إلى دول تعاني أصلًا من تحدياتها الأمنية الخاصة.
لكن غزة لم تكن مسرحاً معزولاً. فقد كشف اعتراف إسرائيل بصوماليلاند ككيان مستقل، والذي يُقال إنه تم بتيسير من الولايات المتحدة، عن مخطط أكثر خبثاً.
حافظت قيادة صوماليلاند على اتصالات نشطة مع المسؤولين الأمريكيين، ولم يكن الهدف الاستراتيجي مخفياً.
أشارت التقارير إلى احتمال نقل سكان غزة الفلسطينيين إلى صوماليلاند، واحتجازهم في مخيمات ضخمة، ونقل غزة بشكل غير مباشر إلى السيطرة الإسرائيلية تحت ستار إعادة الإعمار.
إنّ مثل هذا المخطط يرقى إلى مستوى النقل القسري للسكان، وهو انتهاك جسيم لاتفاقية جنيف الرابعة.
ومجرد التفكير في مثل هذه الهندسة الديموغرافية يبرز الفراغ الأخلاقي الناجم عن الأحادية غير المقيدة.
فعندما يكون حماة القانون الدولي أنفسهم منتهكين له، تتسع رقعة الفظائع.
المسار يتجه نحو إيران
من فنزويلا وغزة، يتجه المسار بثبات نحو إيران. في أعقاب العملية في فنزويلا، أعاد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إحياء خطاب تغيير النظام ضد طهران.
وتكهنت تقارير إعلامية بأن القادة الإيرانيين يعدّون خططًا بديلة، مشيرةً إلى أوجه تشابه سطحية مع سوريا.
رفضت طهران هذه الروايات رفضًا قاطعًا، وأصدرت تحذيرًا لا لبس فيه. وأكدت إيران أنها ليست فنزويلا.
على عكس كاراكاس، تمتلك طهران قوات تقليدية كبيرة، وقدرات ردع غير متكافئة، وتحالفات إقليمية متينة.
وأي محاولة لتغيير النظام ستشعل حربًا تمتد إلى ما هو أبعد من حدود إيران.
وسيتحول الخليج العربي، الذي يعدّ شريانًا حيويًا لإمدادات الطاقة العالمية، إلى ساحة معركة.
وستضطرب الأسواق، وتتفكك التحالفات، وتستغل جهات فاعلة غير حكومية الفوضى.
تهديد إيران هو تهديد لباكستان
بالنسبة لباكستان، يمثل الصراع مع إيران تهديدًا مباشرًا ومتعدد الأبعاد.
إذ تشترك إيران مع باكستان في حدود غربية واسعة، تمر عبر مناطق حساسة ومتخلفة.
ومن شأن الحرب أن تولد آثارًا جانبية فورية، تشمل عدم استقرار الحدود، وتحركات المسلحين عبرها، واضطرابات اقتصادية.
وستواجه قوات الأمن الباكستانية، المُنهكة أصلًا، ضغطًا استراتيجيًا هائلًا في الوقت الذي تشتد فيه الحاجة إلى ضبط النفس.
البعد الإنساني
لا يقل البعد الإنساني خطورة، فالهجوم على إيران قد يشرّد الملايين، مطلقاً موجات لجوء نحو باكستان وأفغانستان وتركيا وأوروبا.
وستواجه باكستان، المثقلة أصلاً بعقود من النزوح الأفغاني، أزمة لاجئين مزدوجة ذات تداعيات اجتماعية واقتصادية وأمنية بالغة.
ونادراً ما تبقى هذه الضغوط تحت السيطرة، فهي تزعزع التماسك الاجتماعي وتهيئ بيئة خصبة للتطرف.
تزيد أفغانستان من تعقيد هذه الهندسة الاستراتيجية. إن تركيز ترامب المتكرر على استعادة قاعدة باغرام الجوية يكشف عن منطق تسلسلي للتدخل.
لا تبدو فنزويلا وغزة وإيران وأفغانستان كأزمات معزولة، بل كعقد مترابطة في رؤية عالمية تفضّل الإكراه على التوافق.
أي وجود عسكري أمريكي متجدد في أفغانستان سيكون غير قابل للتطبيق لوجستيًا دون تعاون باكستاني.
معضلة حادة
تواجه إسلام آباد معضلة حادة. فرفض التعاون يعرّضها لردود فعل دبلوماسية وضغوط اقتصادية.
أما التعاون فيهدد بزعزعة الاستقرار الداخلي وإحياء حرب الوكالة التي سعت باكستان لسنوات طويلة لتجنبها.
وتتفاقم هذه المعضلة مع انهيار المعايير الدولية التي كانت تقيّد التصعيد وتوفر للدول الصغيرة قدراً من القدرة على التنبؤ.
في عالمٍ تم فيه المساس بالسيادة بالفعل بسبب مغامرات القوى العظمى، تكتسب مثل هذه التهديدات مصداقية خطيرة، ويمكن استغلال ذلك داخل جنوب آسيا.
عندما تنتهك الولايات المتحدة السيادة في فنزويلا وغيرها، تتلاشى سلطتها الأخلاقية في كبح استخدام القوة الأحادية في كشمير.
ويصبح الصمت تواطؤاً، ويصبح الغضب الانتقائي هو القاعدة.
رغم أن الهند تدافع علنًا عن استقلالها الاستراتيجي وترفض الوساطة الخارجية بحلول عام 2025، فإن تراجع مصداقية الوساطة يجعل الأزمات المستقبلية أكثر خطورة.
فبدون وسطاء موثوق بهم، قد تظن الهند أن بإمكانها اللجوء إلى عدوان محدود وعمليات سرية وحرب هجينة مع إفلات نسبي من العقاب.
تداعيات استراتيجية وخيمة
بالنسبة لباكستان، فإن التداعيات الاستراتيجية وخيمة. فهي تواجه تداخلاً في التهديدات، حيث يتقاطع تآكل القانون الدولي،
ومخاوف العدوان الهندي، وعدم استقرار الحدود الغربية، والضغوط الإنسانية، والحرب الهجينة بطرق خطيرة.
لا يكمن الخطر الرئيسي في دونالد ترامب وحده، بل في التأثير التراكمي لتجاوز السلطة للقانون.
فعندما تصبح السيادة مشروطة ويصبح العدوان أمراً طبيعياً، تتحول بؤر التوتر مثل كشمير من نزاعات مجمدة إلى شرارات محتملة لصراع منهجي.
إذا استمر هذا المسار دون رادع، فإن العالم يخاطر بالانزلاق إلى أزمة متعددة الجبهات، تتداخل فيها أوكرانيا وغزة وإيران وأفغانستان وكشمير لتُشكّل انهيارًا نظاميًا واحدًا.
وقد يكتشف مستغلو الفوضى قريبًا أن عدم الاستقرار لا يُفرّق بين أحد.
فعندما ينهار القانون الدولي تحت وطأة القوة، لا يتحمّل تكاليفه مُصمّموه، بل أولئك الذين يجبرون على العيش وسط الأنقاض.



