كشميرمقالات

كشمير: أرض منسية.. وشعب منسي

الدكتور غلام نبي فاي

لأكثر من ثلاثة عقود، عاشت كشمير واحدة من أخطر أزمات حقوق الإنسان في عصرنا، والتي لا تحظى بالاعتراف الكافي. فقد أكثر من 150 ألف كشميري حياتهم في السنوات الخمس والثلاثين الماضية وحدها. واختفى ما بين 8000 و10000 شخص قسرًا. كما تم اكتشاف أكثر من 2700 مقبرة جماعية في مقاطعة كوبوارا وحدها. هذه أرقام لا جدال فيها، بل هي جزء من سجل قاتم ومتزايد للمعاناة.

كما لاحظت الروائية الهندية أرونداتي روي ذات مرة، حوّل ما يقارب 900 ألف جندي هندي كشمير إلى أكثر المناطق عسكرةً على وجه الأرض. وكانت العواقب وخيمة: عمليات قتل خارج نطاق القانون، وعنف جنسي، واعتقالات تعسفية، وعقاب جماعي، وقمع ممنهج للمعارضة. وبمرور الوقت، أصبحت هذه الوحشية أمراً عادياً لدرجة أن الكشميريين باتوا محكومين بالتهميش، لا لجهلهم بالحقائق، بل لأن العالم سئم من الاعتراف بها. لقد أصبحت كشمير أرضاً منسية، وشعبها شعباً منسياً.

لكن داخل كشمير، تُفهم هذه الحقائق بعمق. فقد حشد قادةٌ شعبيون، مثل مسرات عالم بهات ومحمد ياسين مالك وشبير أحمد شاه، السكانَ عبر دعواتٍ سلميةٍ للتحرك، إلى أن زجّت بهم الدولة الهندية في السجون. كانت قيادتهم عفويةً ومسؤولة، واستجاب الشعب بالطريقة الوحيدة المتبقية لهم، وهي الاحتجاجات الجماهيرية، التي بلغ عدد المشاركين فيها أحيانًا الآلاف، وأحيانًا أخرى الملايين. وقد غطّت الصحافة هذه الأحداث، ولكن غالبًا دون اهتمامٍ أو إلحاحٍ يُذكر.

لكن السجل الدولي لا لبس فيه. فقد وصف وفد برلماني أوروبي كشمير بأنها “أجمل سجن على وجه الأرض”. وفي أغسطس/آب 2019، وثّقت صحف دولية كبرى منطقة معزولة عن العالم، واصفةً إياها بـ”جحيم حي” من الخوف والغضب، محذرةً من أن الديمقراطية الهندية نفسها تُقوّض في صمت. وفي يناير/كانون الثاني 2022، أدلى الباحث في شؤون الإبادة الجماعية، الدكتور غريغوري ستانتون، بشهادته أمام الكونغرس الأمريكي، مؤكدًا وجود بوادر مبكرة للإبادة الجماعية في كشمير. ومنذ ذلك الحين، أفادت منظمات دولية معنية بحرية الصحافة بأن الصحافة في كشمير على وشك الانقراض.

وما زلنا – بعد 79 عاماً من الاحتلال – ننتظر، كما لو كنا ننتظر معجزة.

في هذه المرحلة الحرجة، لا يُمكن المبالغة في أهمية مسؤولية الجالية الكشميرية في جميع أنحاء العالم. لن يتحقق التغيير الحقيقي دون تحول جذري في كيفية تنظيم هذه الجالية، ودفاعها عن حقوقها، وتقديم نفسها للعالم. لقد كان التشرذم أكبر نقاط ضعفنا. ما نحتاج إليه بشكل عاجل هو جبهة موحدة تُلهِم الناس على أرض الواقع وتُطمئنهم بأن أصواتهم لن تُخفَّف بفعل الروايات المتنافسة في الخارج.

لا تتطلب الوحدة توحيد الآراء، بل تتطلب انضباطاً في الهدف. إن قيادة موحدة للجالية الكشميرية في الشتات ستُظهر أن الكشميريين كشميريون أولاً، وليسوا أعضاءً في فصائل سياسية معزولة تفتقر إلى تفويض جماعي. وحدها القيادة الموحدة قادرة على تعزيز تطلعات الشعب والنهوض بالهدف الأسمى: حق تقرير المصير.

لم يفقد الكشميريون أنفسهم إيمانهم بهذا الحق قط. إنهم لا يحتاجون إلى تذكير، بل إلى سبل لتحقيقه. ليس دور المغتربين إلقاء المحاضرات، بل فتح الأبواب، وخلق الفرص، وترجمة الإرادة الشعبية إلى مناصرة دولية فعّالة. يُظهر التاريخ أن هذا لم يتحقق بعد، ولن يتحقق إلا بوجود وحدة لا تقتصر على القاعدة الشعبية فحسب، بل تشمل القيادة أيضاً.

يجب على قيادة الشتات الكشميري توخي الحذر الأخلاقي. فأي تصريح، سواء كان مقصودًا أم لا، يوحي بالتصالح مع الظلم، يُهدد بإضعاف الحركة. صحيح أن الإرهاق مفهوم بعد عقود من النضال، لكن التعبير العلني عن الإنهاك قد يُفسر خطأً على أنه استسلام. فالحركات لا تنهار تحت وطأة القمع فحسب، بل تنهار أيضًا عندما يبدو أن العزيمة تتزعزع.

لقد انكشفت لي أزمة الانقسام هذه قبل سنوات خلال زيارة قام بها روجر جودسيف، رئيس مجموعة كشمير في البرلمان البريطاني آنذاك، إلى واشنطن. وكان يرافقه اللورد إريك أفيبوري، والقاضي عبد المجيد مالك من ميربور، واللورد نذير أحمد الذي كان حينها عضوًا في المجلس. أفصح روجر جودسيف أنه على الرغم من لقائه المنتظم بالوفود الكشميرية في بريطانيا، إلا أنهم كانوا يصلون بروايات متضاربة – بعضهم يدعو إلى الانضمام إلى باكستان، والبعض الآخر إلى الاستقلال – مما جعل من المستحيل عليه تقديم موقف متماسك في البرلمان. وكان طلبه بسيطًا: تقديم رواية واحدة يمكن تبنيها بمصداقية.

هذا هو جوهر المشكلة، ويجب الاعتراف به بصدق. وقد اقترح البروفيسور ظفر خان من إنجلترا، رئيس المكتب الدبلوماسي لجبهة تحرير جامو وكشمير، حلاً يقوم على مبدأ مشترك: الحق غير المقيد في تقرير المصير لشعب جامو وكشمير. هذا المطلب لا يُصدر أحكاماً مسبقة على النتائج، بل يُعيد زمام الأمور إلى الشعب نفسه.

إن الأساس الأخلاقي والقانوني لهذا المطلب قائم بالفعل. ففي أبريل/نيسان 1948، وتحت قيادة الولايات المتحدة، أكد مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بالإجماع أن مستقبل كشمير يجب أن يُحدد بإرادة شعبها. وقد صوتت الولايات المتحدة لصالح جميع القرارات الموضوعية اللاحقة بشأن كشمير. ولم يُنقض هذا الالتزام الدولي قط.

لقد كانت المقاومة السلمية داخل كشمير مستمرة واستثنائية. شارك فيها مئات الآلاف منذ عام ٢٠٠٧، وواجهوا في كثير من الأحيان القوة المميتة. ورغم سنوات من السجن في ظروف لا إنسانية، لم تستسلم القيادة الشعبية في كشمير – مسرات عالم بهات، ومحمد ياسين مالك، وشبير أحمد شاه. وتستحق صمودهم دعماً موحداً واستراتيجياً من الخارج.

ازدادت الحاجة المُلحة لتحرك الجالية الكشميرية في الخارج في ضوء التطورات العالمية. ففي مايو/أيار 2025، كانت جنوب آسيا على شفا كارثة نووية. وقد أقرّ قادة دوليون، بمن فيهم الرئيس دونالد ترامب، صراحةً بأن كشمير لا تزال جوهر النزاع بين الهند وباكستان. وعادت فرص الوساطة -التي غابت طويلاً- إلى الظهور عندما عرض الرئيس ترامب مكتبه للوساطة. ويقع على عاتق الجالية الكشميرية في الخارج مسؤولية الضغط من أجل حوار ثلاثي شامل يُمثّل فيه الكشميريون أنفسهم، بغض النظر عن سجنهم.

يُقدّم التاريخ سوابقَ. فقد مثّل نيلسون مانديلا شعبه من داخل السجن، وكذلك سيفعل مسرات عالم بهات، ومحمد ياسين مالك، وشبير أحمد شاه. فالشرعية الأخلاقية لا تعتمد على الحرية الجسدية.

أخيرًا، يمتلك المجتمع الدولي بالفعل الأدوات اللازمة لحل هذا النزاع سلميًا. فقد أشرفت الأمم المتحدة بنجاح على عمليات الانتقال في ناميبيا وكمبوديا وتيمور الشرقية وجنوب السودان. وكانت على استعداد للقيام بذلك في كشمير منذ أكثر من سبعة عقود. وكان من الممكن إنقاذ أرواح لا حصر لها لو سُمح لتلك العملية بالاستمرار.

يملك الأمين العام للأمم المتحدة اليوم السلطة الأخلاقية والمسؤولية القانونية لإحياء هذا الالتزام. ولا يستحق شعب كشمير أقل من ممارسة حرة ونزيهة لإرادته تحت إشراف دولي.

إلى ذلك الحين، الصمت ليس حياداً، بل هو تواطؤ.

الكاتب هو رئيس المنتدى العالمي للسلام والعدالة الذي يتخذ من واشنطن مقراً له

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى