مقالات

من تجريم الفكر إلى إدانة الكلام باسم الأمن

الطاف حسين واني

إن الحكم الأخير الصادر بحق الزعيمة الكشميرية آسيا أندرابي ليس مجرد قرار قانوني معيب، بل هو نافذة على نظام قضائي فقد بوصلته الدستورية. ففي حكم يبدو وكأنه درسٌ في التلاعب القضائي، تمكنت محكمة خاصة تابعة لوكالة التحقيقات الوطنية من تبرئة أندرابي من تهم الإرهاب الفعلي،

وتمويل الجماعات المسلحة، والانتماء الرسمي إلى منظمة محظورة، ومع ذلك حكمت عليها بالسجن لسنوات بتهمة “التآمر” لارتكاب جرائم لم تتمكن من إثبات وجودها. هذا ليس مجرد حكم سيئ، بل هو نموذج لتجريم الفكر نفسه.

يكمن جوهر العبثية في هذا الحكم في منطقه العجيب: إذ يُمكن إدانة شخص بالتآمر لارتكاب جريمة لم تحدث قط، مع منظمة لم تُصنّف رسميًا كمنظمة إرهابية، استنادًا إلى أدلة تُقرّ المحكمة نفسها بعدم كفايتها.

يُخالف هذا مبدأً أساسيًا يعود إلى ما قبل الأنظمة القانونية الحديثة: لا يُمكن التآمر دون ارتكاب أي فعل إجرامي. فالتآمر، بحكم تعريفه، يتطلب اتفاقًا على ارتكاب فعل غير مشروع.

ومع ذلك، ورغم عدم عثور المحكمة على أي عمل إرهابي، أو تمويل، أو عضوية في منظمة، فقد تمكنت من العثور على تآمر كامن في الخطابات والمقابلات.

ما يُتيح ذلك هو الغموض المُتعمّد لقانون الأنشطة غير المشروعة (الوقاية). يستغل الحكم بذكاء ثغرة قانونية: فبينما يشترط البند 20 العضوية الرسمية في منظمة إرهابية، يُجرّم البندان 38 و39 “الارتباط” و”دعم” مثل هذه الجماعات – وهما مصطلحان غير مُعرّفين في القانون.

ما الذي يُعتبر ارتباطًا؟ قراءة منشور؟ حضور تجمع؟ التعبير عن التعاطف؟ المحكمة لم توضح ذلك، وهذا هو لبّ الموضوع.

هذا الغموض يحوّل الحماية الدستورية إلى حقل ألغام قانوني حيث لا يستطيع المواطنون معرفة الأفعال التي قد تُعرّضهم للمساءلة الجنائية.

استندت قضية الادعاء بالكامل إلى أقوال أندرابي، التي وصفت كشمير بأنها “تحت الاحتلال”، وأشادت بالمسلحين، ودعت إلى “المقاومة”.

يرسم المذهب القانوني التقليدي خطًا فاصلًا واضحًا بين الدعوة المحمية والتحريض غير القانوني: فالخطاب الذي يهدف إلى إحداث عمل خارج عن القانون وشيك هو وحده الذي يُعاقب عليه.

لكن هذا الحكم يلغي هذا الخط الفاصل تمامًا. فمن خلال اعتبار “الأثر التراكمي” للخطابات دليلًا على التآمر، تُرسّخ المحكمة معيارًا جديدًا خطيرًا: يكفي أن تُكرر قول شيء مثير للجدل، ليتحول كلامك فجأة إلى مؤامرة إجرامية.

هذا الأمر مثير للقلق بشكل خاص لأن الحكم يعترف صراحةً بعجزه عن تقديم الأدلة الكافية. لم يشهد أي شاهد على أي عمل إرهابي محدد. ولم يربط أي دليل بين أقوال أندرابي وأي عنف.

تقر المحكمة بأن الأدلة كانت “محدودة”، ثم تستخدم هذا النقص كمبرر لتجميعها، مما يخلق إدانة بالكم لا بالكيف.

هذا يقلب عبء الإثبات رأسًا على عقب. فبدلاً من أن يثبت الادعاء العام الذنب بما لا يدع مجالاً للشك، أثبت اعتراض أندرابي المستمر إجرامها فعليًا.

يكشف الحكم أيضاً كيف تدفع مخاوف الأمن القومي القضاة إلى التخلي عن دورهم كحماة للدستور. وقد حذرت المحاكم الهندية مراراً وتكراراً من ضرورة تفسير قوانين مكافحة الإرهاب تفسيراً ضيقاً لمنع إساءة استخدامها.

ففي قضية أروب بهويان، قضت المحكمة العليا بأن مجرد الانتماء ليس جريمة. وفي قضية سري إندرا داس، أصرت على ضرورة استيفاء قانون مكافحة الأنشطة غير المشروعة (الوقاية) للمعايير الدستورية.

ويتجاهل هذا الحكم تلك السوابق القضائية، متخذاً موقفاً من الخضوع يرقى إلى حد التخلي عن السلطة القضائية. ولأن الدولة صنفت هذه القضية كقضية إرهاب، فقد وسّعت المحكمة نطاق القانون ليتوافق مع رواية الادعاء.

ولعلّ الأمر الأكثر دلالة هو أن المحكمة أصدرت لاحقًا أمرًا تصحيحيًا بتغيير “الإدانة” إلى “البراءة” بموجب المادة 20، وهو “خطأ مطبعي” في قضية بارزة، ما يوحي إما بإهمال فادح أو بشعور بالذنب.

إذا كان القضاة عاجزين عن تذكر التهمة التي يدينون بها شخصًا ما، فكيف لنا أن نثق في المنطق الكامن وراء ذلك؟

إن السنوات الثماني التي قضاها أندرابي رهن الحبس الاحتياطي قبل المحاكمة – والتي أتاحتها أحكام الكفالة شبه المستحيلة في قانون مكافحة الأنشطة غير المشروعة – كانت بمثابة عقابٍ له.

إن الإدانة لا تعدو كونها إضفاءً للطابع الرسمي على ما فرضته الإجراءات القانونية بالفعل.

هذا هو القانون يعمل تمامًا كما صُمم له: ليس لمنع الإرهاب، بل لعزل وإسكات المعارضين الأيديولوجيين من خلال الحبس لأجل غير مسمى.

تُرسّخ هذه القضية نظامًا قضائيًا ذا مستويين. فالإرهاب الحقيقي يتطلب أدلة على العنف أو التمويل، بينما لا يتطلب “الإرهاب” القائم على الخطاب سوى معارضة مستمرة.

وتتجاوز تداعيات هذه القضية حدود كشمير بكثير. فاليوم قد يكون زعيمًا للمعارضة السياسية، وغدًا قد يكون ناشطًا طلابيًا أو صحفيًا أو أي مواطن ينتقد الحكومة باستمرار.

لقد منحت المحكمة الدولة سلاحًا فتاكًا: تصنيف أي منظمة إرهابية، ثم تجريم كل من يُبدي تعاطفًا معها أو حتى من لا يُدينها بقوة كافية.

يُهين هذا الحكم المبادئ الأساسية. فمبدأ “لا جريمة بلا قانون” يُلزم القوانين الجنائية بتحديد المحظورات بوضوح.

كيف يُعقل أن يعلم أندرابي أن خطابًا تُقر المحكمة بأنه غير مرتبط مباشرةً بالعنف يُعدّ تآمرًا؟

ينهار مبدأ التناسب عندما يُعاقب الخطاب بنفس عقوبة الإرهاب الفعلي. والأهم من ذلك، أن المحكمة تُدين دون إثبات وقوع جريمة حقيقية، وهو شرط أساسي يحمي من تجاوزات الدولة.

لا يقتصر الأمر على مجرد حكم معيب واحد، بل يتعلق ببنية قانونية تُمكّن من فرض رقابة على الفكر.

فبنية قانون مكافحة الأنشطة غير المشروعة (UAPA) مصممة لإساءة الاستخدام: فالتآمر لا يتطلب فعلًا صريحًا، و”الانتماء” يُجرّم الوضع الاجتماعي لا السلوك، والإفراج بكفالة شبه مستحيل.

يستغل الحكم هذه الخصائص لخلق فئة جديدة من جرائم الكلام، حيث لا يُشترط ارتكاب العنف أو تمويله أو الانضمام إلى جماعة إرهابية، بل يكفي فقط التعبير بإصرار عن الحقوق المعترف بها من الأمم المتحدة بطرق تُزعج الدولة.

إلى أن تتوقف المحاكم عن اعتبار الأمن القومي ذريعةً للتصرفات القانونية غير المنطقية، ستستمر هذه الأحكام في تقويض الحماية الدستورية.

يجب أن يستهدف الطعن القانوني المقبل ليس فقط هذا الحكم، بل دستورية قانون مكافحة الأنشطة غير المشروعة (UAPA) نفسه.

فإذا كان الاختلاف الأيديولوجي المستمر يُعدّ الآن مؤامرة، فقد استبدلنا سيادة القانون بسيادة الخوف.

وفي ظل هذا النظام، قد يكون أي شخص يجرؤ على التفكير بشكل مختلف هو الضحية التالية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى