
قررت باكستان فرض إجراءات فحص صحية صارمة في جميع نقاط الدخول الدولية، في إطار مساعٍ وقائية لمنع انتقال فيروس نيباه القاتل عبر الحدود، وذلك في ظل تصاعد المخاوف الصحية إقليميًا ودوليًا.
وأوضح متحدث رسمي باسم المعهد الوطني للصحة (NIH) أن باكستان لم تسجل حتى الآن أي إصابة مؤكدة بفيروس نيباه، مؤكدًا أن «الجاهزية المبكرة، والتعامل السريع مع أي حالة مشتبه بها، يمثلان خط الدفاع الأول في منع انتشار الفيروس». وأضاف أن السلطات الصحية رفعت مستوى التأهب في جميع المختبرات المرجعية والمستشفيات الكبرى في البلاد.
وشددت الجهات الصحية المختصة على أن إجراءات الفحص المشددة لا تستهدف دولة بعينها، بل تأتي التزامًا باللوائح الصحية الدولية، وامتثالًا لتوصيات منظمة الصحة العالمية، بما يضمن حماية الصحة العامة وتعزيز منظومة الأمن الصحي الوطني.
ويأتي هذا القرار في أعقاب تأكيد تسجيل حالتي إصابة بفيروس نيباه في الهند، ما دفع عددًا من الدول، من بينها سنغافورة وهونغ كونغ وتايلاند وماليزيا، إلى اتخاذ تدابير صحية احترازية مماثلة. واستجابة لهذه التطورات،
أعلنت السلطات الباكستانية تطبيق فحص شامل بنسبة 100 في المئة على جميع الركاب، وأطقم الطائرات، والسائقين، وموظفي الدعم، في المطارات الدولية، والموانئ البحرية، والمعابر الحدودية البرية.
وبموجب التوجيهات الجديدة، يُلزم جميع المسافرين القادمين بتقديم سجل كامل لتحركاتهم خلال الأيام الـ21 الماضية، بما يشمل بلد المنشأ والدول التي تم المرور بها. كما ستُفرض مراقبة صحية مشددة على القادمين من المناطق المتأثرة بفيروس نيباه أو المصنّفة عالية الخطورة، مع التأكيد على أن تقديم معلومات مضللة أو غير مكتملة سيُعرّض صاحبه للمساءلة القانونية وإبلاغ الجهات الأمنية المختصة.
وتشمل الإجراءات كذلك إجراء فحوصات حرارية وفحوصات طبية دقيقة عند نقاط الدخول. وقد جرى توجيه فرق الفحص لإيلاء اهتمام خاص للأعراض المبكرة، مثل الحمى، والصداع، وضيق التنفس، إضافة إلى العلامات العصبية كالتشوش الذهني أو فقدان الوعي. وسيتم عزل أي حالة مشتبه بها فورًا، والتعامل معها وفق بروتوكولات مكافحة العدوى المعتمدة، إلى جانب تعقيم وسيلة النقل والمناطق المحيطة بها بشكل شامل.
وفي السياق ذاته، أصدر المعهد الوطني للصحة تنبيهًا على مستوى البلاد للمؤسسات الصحية والعاملين في القطاع الطبي، مؤكدًا أنه رغم عدم تسجيل أي إصابة داخل باكستان حتى الآن، فإن التطورات المتسارعة في جنوب آسيا تستدعي أقصى درجات الحيطة والحذر. ويهدف هذا التنبيه إلى ضمان التشخيص المبكر، والعزل الفوري، والنقل الآمن للعينات، والاستجابة السريعة والفعالة لحالات الطوارئ الصحية.
ويُعد فيروس نيباه من الأمراض الحيوانية المنشأ، إذ ينتقل أساسًا عبر الحيوانات، ولا سيما خفافيش الفاكهة والخنازير، إلا أنه قادر أيضًا على الانتقال من إنسان إلى آخر. ووفقًا لخبراء الصحة، يسبب الفيروس التهابات دماغية حادة وعدوى شديدة قد تكون قاتلة، وتشمل أعراضه ارتفاع درجات الحرارة، ونوبات صرع، ومضاعفات عصبية خطيرة، كما يمكن أن ينتقل عبر الرذاذ التنفسي، واللعاب، والدم.
وقد صنّفت منظمة الصحة العالمية فيروس نيباه ضمن مسببات الأمراض ذات الأولوية القصوى، نظرًا لارتفاع معدل الوفيات المرتبط به، والذي يتراوح بين 40 و75 في المئة، فضلًا عن عدم توفر لقاح معتمد أو علاج نوعي حتى الآن.
يرى خبراء الصحة العامة أن تشديد باكستان لإجراءات الفحص يعكس وعيًا متقدمًا بخطورة فيروس نيباه، الذي يُعد من أكثر الفيروسات فتكًا عالميًا، في ظل غياب حلول علاجية ناجعة. ويؤكد المختصون أن الطبيعة العابرة للحدود للأوبئة تفرض على الدول تبني استراتيجيات وقائية صارمة، لا سيما في منطقة تشهد كثافة عالية في حركة السفر والتنقل.
ويشير محللون إلى أن اعتماد الفحص الشامل، إلى جانب طلب سجلات السفر لمدة 21 يومًا، ينسجم مع أفضل الممارسات الدولية لاحتواء الأمراض ذات فترات الحضانة الطويلة. كما أن التركيز على الأعراض العصبية والتنفسية يُعد خطوة محورية، نظرًا لما يسببه فيروس نيباه من مضاعفات عصبية حادة قد تتطور بسرعة وبصورة مفاجئة.
ويرى مراقبون أن التنبيه الصادر عن المعهد الوطني للصحة يعكس تحولًا نوعيًا في السياسة الصحية الوطنية، من نهج الاستجابة بعد ظهور الإصابات إلى استراتيجية الوقاية الاستباقية، وهو ما قد يسهم في حماية البلاد من أعباء صحية واقتصادية جسيمة في حال تفشي الفيروس.
وفي هذا الإطار، يشدد خبراء الصحة على أن وعي المواطنين، والتزامهم الصارم بالإرشادات الصحية، والشفافية في الإفصاح عن المعلومات أثناء السفر، تمثل عناصر أساسية لضمان فعالية هذه الإجراءات.
ويحذرون من أن أي تهاون أو إخفاء للأعراض قد يؤدي إلى تداعيات خطيرة على الصحة العامة.



