
يشهد العالم في يناير 2026 ولادة “ناتو إسلامي” غير معلن رسمياً ولكنه مفعل استراتيجياً، حيث انتقلت العلاقة بين السعودية وباكستان من “التحالف التاريخي” إلى “الدفاع الاستراتيجي المشترك”، وهو ما تعزز بانضمام تركيا كشريك تكنولوجي وعسكري لا غنى عنه.
هذا الحلف الثلاثي يمثل رداً مباشراً على تآكل الثقة في المظلة الأمنية الأمريكية، وتنامي التهديدات الإقليمية التي تجاوزت الخطوط الحمراء، خاصة بعد الضربات الإسرائيلية التي استهدفت الدوحة في أواخر 2025، مما سرّع من وتيرة توقيع اتفاقيات “الردع الشامل”.
يقول الخبير الاستراتيجي أسفانديار مير، الزميل الأول في مركز “ستيمسون” بواشنطن، إن هذا التوقيت يمثل “نقطة تحول” (Watershed Moment) في سياسة المنطقة،
حيث لم تعد الرياض تقبل بوعود الحماية الخارجية، بل اتجهت لتمويل وتوطين صناعات عسكرية متطورة مع أنقرة، مع الاعتماد على “المظلة النووية” الباكستانية الجاهزة كخيار ردع أخير.
ويرى مير أن انضمام تركيا لهذا المثلث يمنحه “الشرعية التقنية” والتفوق الجوي والبحري الذي كان ينقصه في السابق.
من جانبه، يؤكد العميد طيار متقاعد فيصل الحمد، المحلل العسكري السعودي، أن الاتفاقية الثلاثية تتبنى مبدأ “الهجوم على واحد هو هجوم على الجميع”، وهو ما يمنح السعودية لأول مرة في تاريخها عمقاً نووياً معلناً دون الحاجة لخرق معاهدات منع الانتشار النووي بشكل مباشر.
ويضيف الحمد أن هذا التحالف يعيد تعريف معنى “السيادة”، حيث تمتلك الدول الثلاث الآن القدرة على حماية ممرات الملاحة من بحر العرب وصولاً إلى المتوسط دون انتظار ضوء أخضر من القوى الكبرى.
تكامل الأدوار بين المال والتقنية والنووي
لا يقتصر التحالف على الجوانب العسكرية الصرفة، بل يمتد ليشكل منظومة اقتصادية-دفاعية متكاملة؛ فالسعودية توفر السيولة الضخمة لتمويل مشاريع البحث والتطوير، بينما تفتح تركيا أبواب مختبراتها العسكرية لتصنيع المسيرات الانتحارية والجيل الخامس من المقاتلات على الأراضي السعودية. وباكستان من جهتها، توفر الخبرة البشرية والتقنية النووية التي توازن القوى أمام أي طموحات إقليمية أخرى، مما يجعل هذا المثلث كياناً يصعب اختراقه أو الضغط عليه اقتصادياً أو عسكرياً.
يشير المحلل العسكري أسيف ساندو إلى أن انضمام تركيا لهذا التحالف قلب الطاولة على الحسابات الغربية، فتركيا تمتلك ثاني أكبر جيش في الناتو وخبرة قتالية حقيقية في عدة جبهات، ودمج هذه الخبرة مع “المال السعودي” و”النووي الباكستاني” يخلق قوة لا يمكن تجاوزها.
ويرى ساندو أن التدريبات البحرية المشتركة (مثل بحر الصداقة) هي مجرد “قمة جبل الجليد” لتعاون أعمق يشمل دمج أنظمة الرادار والدفاع الجوي في منظومة واحدة تغطي جغرافيا واسعة.
وعلى الصعيد التقني، يوضح الخبير التركي أوزغور إيكشي أن أنقرة ترى في السعودية الشريك المالي الاستراتيجي الذي سيسمح لمشاريعها العسكرية بالوصول إلى آفاق عالمية.
مؤكداً أن التعاون في مجال الصواريخ البالستية بين باكستان وتركيا بتمويل سعودي سيعني ولادة صواريخ عابرة للقارات قادرة على حمل رؤوس تقليدية وغير تقليدية، مما يضع التحالف في مصاف القوى الكبرى تقنياً.
ردود الفعل الدولية بين القلق والارتباك
أثار هذا التحالف موجة من القلق في العواصم الكبرى؛ ففي واشنطن، يرى مراقبون أن هذا التحرك هو “تمرد ناعم” من حلفاء تقليديين، بينما عبرت تقارير إسرائيلية عن خشيتها من فقدان “التفرد الاستراتيجي” في المنطقة. إسرائيل تنظر بوجل إلى تقارب أنقرة والرياض تحت المظلة النووية لباكستان،
معتبرة أن هذا المحور الجديد ينهي عقوداً من سياسة “تفتيت القوى” التي كانت تعتمد عليها تل أبيب.
أما في طهران، فقد قوبل الخبر بحذر شديد؛ إذ يرى المحللون الإيرانيون أن هذا التحالف يفرض قواعد اشتباك جديدة في الخليج واليمن.
وبحسب الخبير فيصل الفايز، فإن إيران ستجد نفسها مضطرة لإعادة حساباتها، لأن مواجهة السعودية الآن لا تعني مواجهة جيش نظامي فحسب، بل تعني الصدام مع تحالف يمتلك السلاح النووي (باكستان) والقدرة الهجومية التكنولوجية (تركيا)، مما يجعل أي تصعيد إقليمي مكلفاً للغاية وغير مضمون النتائج.
من جهتها، تحاول الصين وروسيا استغلال هذا الفراغ الذي تركه الغرب، حيث رحبت بكين ضمناً بالتحالف كونه يضعف الهيمنة الأمريكية في منطقة “طريق الحرير”، بينما ترى موسكو في تركيا والسعودية شركاء محتملين في نظام عالمي متعدد الأقطاب.
ومع ذلك، تبقى المخاوف من سباق تسلح نووي في المنطقة هي الهاجس الأكبر الذي قد يدفع مجلس الأمن للتدخل في حال تسربت تفاصيل تقنية حول “نقل الرؤوس” أو “التمركز النووي المشترك”.
التوقعات المستقبلية ومسارات الصدام
تتجه التوقعات لعام 2026 نحو مأسسة هذا التحالف بشكل أكبر، عبر إنشاء “مجلس دفاع أعلى” دائم مقره الرياض، وتدشين قواعد عسكرية مشتركة تكون تركيا وباكستان طرفاً أساسياً فيها.
يتوقع الخبراء أن تشهد الشهور القادمة الكشف عن أول صاروخ بالستي “إنتاج مشترك”، يعتمد على التصميم الباكستاني والتكنولوجيا التركية والتمويل السعودي، مما سيكون بمثابة إعلان رسمي عن استقلال أمني كامل لدول المثلث.
كما يُتوقع أن يتسع هذا التحالف ليضم قوى أخرى مثل مصر أو إندونيسيا، ليتحول من مثلث إلى “كتلة إسلامية كبرى” قادرة على فرض شروطها في مفاوضات الطاقة والممرات المائية. ومع ذلك، يبقى التحدي الأكبر هو مدى قدرة هذا الحلف على الصمود أمام الضغوط الاقتصادية والدبلوماسية الغربية، واحتمالية فرض عقوبات تقنية لمنع وصول المكونات الحساسة لصناعة الأسلحة المتطورة إلى أنقرة والرياض.
في الختام، يمثل هذا التحالف “فجر عصر جديد” حيث لم تعد القوة تُستورد من الخارج، بل تُصنع وتُحمى بإرادة محلية. وكما يقول الخبير أحمد زغلول، فإن العالم يستعد لاستقبال “قطب إسلامي” يمتلك كافة مقومات الدولة العظمى،
وهو ما سيغير شكل الدبلوماسية الدولية لعقود قادمة، ويجعل من استقرار المنطقة مسؤولية جماعية لهذا المحور الجديد الذي لا يقبل بأقل من الندّية الكاملة مع الشرق والغرب.
المصدر: الأمة



