المسجد والسجن الشامل: الحرية الدينية محاصرة في كشمير المحتلة من قبل الهند

الطاف حسين واني
في وادي كشمير، بات الإيمان مرتبطًا برمز شريطي. فالمراقبة غير المسبوقة التي تنفذها شرطة جامو وكشمير المحتلة، عبر جمع بيانات دقيقة عن كل مسجد وإمام ومؤذن وعضو في لجان الإدارة، لا يمكن وصفها بأنها إجراء أمني عادي. إنها تمثل المخطط الأساسي لدولة بوليسية دينية، حيث يجري قياس التدين وتسييس المعتقد، في محاولة ممنهجة لطمس الهوية الإسلامية تحت وطأة الجداول الإلكترونية والشكوك الدائمة.
الاستمارة المكوّنة من أربع صفحات، التي جرى تعميمها في أنحاء الوادي، تُجسّد نموذجًا كلاسيكيًا لجمع البيانات في الأنظمة الشمولية. فهي لا تكتفي بتحديد الانتماء الطائفي للمسجد، سواء كان بريلويًا أو ديوبنديًا أو من أهل الحديث أو شيعيًا، بل تطلب تفاصيل دقيقة عن أبعاده المادية، وتكاليف إنشائه، ومصادر تمويله، وميزانيته الشهرية، كاشفةً البنية المالية للحياة الدينية.
غير أن جوهر العنف يكمن في الصفحات الثلاث المخصصة للبيانات الشخصية. أرقام IMEI، حسابات التواصل الاجتماعي، تفاصيل بطاقات الصراف الآلي والائتمان، المؤهلات التعليمية، والملفات العائلية الكاملة للعاملين في الشأن الديني. هذا ليس جمعًا استخباراتيًا روتينيًا، بل إنشاء سجل ديني شامل وقاعدة بيانات للقيادة الإسلامية، مصممة للسيطرة لا للحماية.
البنية الأيديولوجية وراء هذا البرنامج واضحة. وكما حذّر قادة دينيون في كشمير، فإن ما يجري هو مشروع لأيديولوجية يمينية متطرفة تسعى لإخضاع الأديان التي لا تنسجم مع رؤية منظمة RSS. ففي تصور الدولة الهندوسية، لا يُنظر إلى المساجد كأماكن عبادة، بل كمراكز يُشتبه في كونها حواضن لتهديدات محتملة، تستوجب الرصد والإدارة.
يتجلى التناقض بوضوح عندما تُسهّل الدولة، بدقة عسكرية، رحلات الحج الهندوسية الكبرى إلى أمارناث، بينما تُعامل الممارسة الدينية الإسلامية كخطر على الأمن القومي، يستدعي مراقبة دقيقة تصل إلى مستوى القياسات الحيوية. هذا التفاوت يفضح نفاق خطاب الحرية الدينية في الهند.
فبينما تحظى المعابد الهندوسية بدعم ورعاية الدولة، تخضع المؤسسات الإسلامية لنظام مزدوج من الشك والرقابة. جرى إضعاف مجلس الأوقاف، المفترض أن يحمي الممتلكات الإسلامية، وإخضاعه للسيطرة الحكومية، ومصادرة أصوله وتقويض استقلاليته. في المقابل، تعمل الأوقاف الهندوسية دون رقابة مماثلة أو شفافية مالية تُذكر.
ولا يُطلب من معبد تيروباتي، الذي تدر إيراداته مليارات الدولارات سنويًا، تقديم أرقام IMEI لكهنته، ولا يُسأل مجلس ضريح فايشنو ديفي عن توجهه الأيديولوجي، رغم الدعم الحكومي الكبير الذي يتلقاه. هذا ليس نموذج حوكمة، بل قمع منهجي للحياة المؤسسية الإسلامية.
بلغ الاستعمار الرمزي ذروته عندما نُصبت عجلة أشوكا في ضريح حضرة بال، أقدس المزارات الصوفية في كشمير. لم يكن ذلك تعبيرًا بريئًا عن الوطنية، بل ختمًا سياديًا على قلب الهوية الإسلامية، وإعلانًا بأن أقدس الأماكن ليست بمنأى عن الاستيلاء الرمزي.
وعند ربط هذا الحدث ببرنامج المراقبة الحالي، يتضح أن الهدف يتجاوز الرصد إلى الترويض، وتحويل المساجد من فضاءات للاستقلال المجتمعي إلى نقاط مراقبة خاضعة للدولة.
القانون الدولي لا يوفر غطاءً لهذه الدولة الرقابية. فالمادة 18 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي صادقت عليه الهند، تكفل حرية الدين، ولا تسمح بتقييدها إلا بشروط صارمة وضرورية. ولا يمكن لبرنامج المراقبة الشامل للمساجد أن يستوفي هذه الشروط.
فالبرنامج يستهدف مجتمعًا دينيًا بأكمله دون تمييز، وليس تهديدات محددة. وقد أكدت لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أن القيود على الحرية الدينية يجب أن تكون متناسبة وغير تمييزية، وهو ما يفشل فيه النموذج الكشميري بشكل واضح.
الأثر النفسي لهذه المراقبة بالغ الخطورة. فالإمام يفكر في كل كلمة، والمتبرع يخشى تصنيف عطائه، والشاب يتردد في دخول المسجد خوفًا من أن يُسجَّل حضوره. هكذا يصبح الإيمان مخاطرة محسوبة، وتتحول الممارسة الدينية من حق أصيل إلى امتياز تمنحه الدولة.
إن صمت المجتمع الدولي ليس حيادًا، بل تواطؤ. وعلى الدول التي ترفع شعارات الحرية الدينية أن تواجه برنامج مراقبة المساجد في الهند. كما ينبغي للمقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحرية الدين أو المعتقد المطالبة بالوصول إلى كشمير.
ورغم تصنيف اللجنة الأمريكية للحرية الدينية الدولية الهند دولة “مثيرة للقلق بشكل خاص” لسنوات متتالية، لا تزال العقوبات غائبة، والضغط الدبلوماسي ضعيفًا. هذا الصمت يشجع التمادي، ويحوّل كل انتهاك غير مُحاسب إلى سابقة جديدة.
يجب أن تتجاوز المقاومة الحدود. على جاليات الشتات الكشميري تقديم شكاوى رسمية إلى هيئات الأمم المتحدة، وعلى منظمات حقوق الإنسان متابعة القضايا أمام محكمة العدل الدولية. كما ينبغي لجماعات الحقوق الرقمية فضح دمج هذه البيانات مع منظومات المراقبة الأوسع، مثل “آدهار” والتعرف على الوجوه.
في جوهرها، لا تهدف استمارات المساجد إلى جمع المعلومات، بل إلى استعراض القوة. إنها تعلن أن الإيمان الإسلامي في الهند المعاصرة يُنظر إليه كمشكلة تُحل بالبيانات وإعادة التشكيل الأيديولوجي.
لكن الإيمان، على عكس البيانات، لا يمكن احتواؤه. فالمساجد التي تُسجَّل اليوم هي ذاتها التي صمدت في وجه الإمبراطوريات. ولا يزال أذان المؤذن، الذي تُراقبه أجهزة التتبع، يتردد خمس مرات يوميًا، مذكرًا بأن بعض الأصوات لا يمكن إسكاتها.
ويبقى السؤال أمام العالم واضحًا: هل نسمح لأكبر ديمقراطية في القرن الحادي والعشرين بأن تتحول إلى أكثر دول المراقبة الدينية تطورًا؟ الاستمارات طُبعت، وجمع البيانات بدأ، لكن السجل الأخير لم يُكتب بعد. سيكتبه من يختارون الإيمان على الخوف، ويحيلون مساجدهم إلى حصون للحرية. في هذا الاختيار يكمن تحرير كشمير، وربما تحريرنا جميعًا.



