السيد التيجاني يكتب: كشمير.. قضية تبحث عن وطن

أكتب هذه السطور وأنا أستحضر المشهد المرعب في جامو وكشمير المحتلة، مشهد لا يحتاج إلى مبالغة كي يبدو قاسيًا، لأنه في حد ذاته قسوة يومية تُمارس على شعب كامل. هنا، حيث الجبال شاهدة على التاريخ، يُعاد تشكيل الجغرافيا والإنسان معًا، لا بفعل الزمن، بل بفعل سياسة ممنهجة تسعى إلى كسر الإرادة قبل تغيير الواقع.
ما أراه اليوم في كشمير ليس مجرد احتلال عسكري تقليدي، بل مشروع طويل النفس لإفراغ الأرض من أصحابها. التغيير الديموغرافي لم يعد اتهامًا سياسيًا أو تخوفًا نظريًا، بل صار ممارسة علنية،
تُنفذ عبر التهجير القسري، ومصادرة الأراضي، وتغيير القوانين، وإغراق الإقليم بوافدين جدد على حساب السكان الأصليين. الهدف واضح: تحويل الكشميري إلى غريب في أرضه، وإلى أقلية صامتة في وطنه.
التهجير لا يتم دائمًا بالدبابات، بل غالبًا بالقوانين. قوانين تُسحب بموجبها حقوق الملكية، وأخرى تُفتح فيها الأبواب لتوطين غير الكشميريين، وثالثة تُقيد الحركة والعمل والتعليم. هكذا يُدفع الناس دفعًا إلى الرحيل، أو إلى العيش بلا كرامة. من يبقى، يبقى محاصرًا بالخوف، ومن يرحل، يرحل مكسورًا، تاركًا خلفه ذاكرة لا تموت.
أمشي في خيالي بين أزقة سريناغار، فأرى العيون المتعبة، والوجوه التي شاخت قبل أوانها. الحواجز في كل مكان، الجنود في كل زاوية، والأسلاك الشائكة تحيط بالحياة نفسها. حتى الهواء يبدو مراقَبًا. في كشمير، لا يُعاقَب الفعل فقط، بل النية، والكلمة، والحلم. يكفي أن تكون كشميريًا لتكون موضع شبهة.
لكن الأخطر من القمع المادي هو القمع النفسي. ما يُراد للكشميريين اليوم هو فقدان الأمل. تضييق الخناق ليس فقط لإخضاعهم، بل لإقناعهم بأنهم وحدهم، وأن العالم تخلى عنهم،
وأن لا جدوى من الصمود. الرسالة غير المعلنة، لكنها مفهومة: نحن وأنتم فقط، ولا أحد قادم لنجدتكم، بل هناك مباركة دولية للصمت، إن لم تكن مباركة للفعل نفسه.
أقولها بمرارة: الصمت الدولي ليس حيادًا، بل شراكة غير مباشرة. عندما تُنتهك قرارات الأمم المتحدة علنًا، ولا يُحاسَب أحد، فإن ذلك يبعث برسالة خطيرة مفادها أن القانون الدولي انتقائي، وأن حقوق الشعوب تُقاس بميزان المصالح لا العدالة. كشمير مثال حي على هذا النفاق العالمي؛ قرارات موجودة، وحقوق معترف بها، لكن التنفيذ مؤجل إلى أجل غير مسمى.
أشعر أحيانًا أن الكشميري يُعاقَب لأنه لم يختفِ بعد. كل مظاهر الحياة تُخضع للرقابة: الإعلام، المساجد، المدارس، وحتى المناسبات الاجتماعية. يُراد للهوية أن تذوب، وللذاكرة أن تُمحى، وللجيل الجديد أن ينشأ بلا يقين ولا سند. إنها حرب على الوعي بقدر ما هي حرب على الأرض.
ومع ذلك، ورغم هذا السواد، لا تزال كشمير تبحث عن وطن. ليست تبحث عن حدود جديدة على الخريطة، بل عن اعتراف بإنسانيتها، عن حقها في أن تكون كما هي، لا كما يُراد لها أن تكون. الكشميري لا يطلب المستحيل، بل يطالب بحقه الطبيعي في تقرير مصيره، وهو حق أقره العالم نفسه ثم تراجع عنه بصمته.
أكتب بصيغة المتكلم، لكنني أعلم أنني لست وحدي. هذا الصوت هو صوت آلاف الآباء الذين يخشون على أبنائهم، وصوت الأمهات اللواتي ينتظرن خلف الأبواب، وصوت الشباب الذين كبروا على وقع الطلقات لا الأناشيد. هو صوت شعب يُدفع إلى الزاوية، لكنه يرفض أن يُمحى.
ما يحدث في جامو وكشمير اليوم اختبار حقيقي لضمير العالم. إما أن تبقى القيم الدولية شعارات تُرفع عند الحاجة، أو أن تتحول إلى التزام أخلاقي حقيقي. أما الكشميريون، فرغم كل شيء، ما زالوا يتمسكون بما تبقى لهم: الذاكرة، والحق، والإيمان بأن الظلم مهما طال لا يصنع وطنًا، وأن الأرض التي تُؤخذ بالقوة لا تمنح شرعية.
كشمير ليست نزاعًا حدوديًا عابرًا، بل قضية شعب يبحث عن وطن، وعن عدالة تأخرت كثيرًا، لكنها لم تسقط بالتقادم.



