السيد التيجاني يكتب: بين الهوية والديمقراطية

تخيّل أن الهند، هذه الدولة العملاقة المتنوعة، تصحو صباح يوم مشحون بالتوتر، حيث تتصاعد أصوات النقاش حول مستقبل المواطنة والديمقراطية. في هذا المشهد، يظهر أسد الدين أويسي، كصوت بارز للأقليات، مخاطبًا الأمة قائلاً إن الحكومة الهندية بقيادة ناريندرا مودي تتجه نحو فرض أجندة الهندوتفا على كامل أراضي البلاد، بينما يُنظر إلى المسلمين أحيانًا باعتبارهم “بنغلاديشيين” لمجرد اعتناقهم الإسلام.
في هذا العالم التخيلي، تتحرك لجنة الانتخابات ككائن حي، تشكك في جنسية بعض المواطنين وفق اعتبارات دينية، فيما يُترك آخرون دون مسائلة. أويسي يرى أن هذه السياسات ليست مجرد إجراءات بيروقراطية، بل أدوات لإعادة رسم الهوية الوطنية، وتحويل القانون من وسيلة للعدالة إلى أداة للضغط السياسي.
قوانين متحركة ومؤسسات متوترة
تخيّل أن قوائم الناخبين نفسها تصبح ككتاب سحري، يُفتح ويُغلق بحسب الهوية الدينية لمواطني الهند. في هذا السيناريو، المواطن المسلم مطالب بإثبات ذاته باستمرار، بينما يمر الآخرون بلا أي تحقق. الناشطة الحقوقية نيفيشا جايان تتجول في الشوارع، تحمل لافتة تقول: “القانون العادل يجب أن يحمي الجميع، وليس بعضهم فقط”.
في الوقت نفسه، تظهر المؤسسات الدينية ككيانات تتغير قواعد انتمائها بين ليلة وضحاها. ففي الماضي، كان المسلمون وحدهم من يديرون شؤون المساجد، والهندوس يشرفون على معابدهم. اليوم، وفق هذا الواقع التخييلي، تُفتح أبواب المؤسسات الإسلامية أمام غير المسلمين، فيما تبقى المؤسسات الهندوسية محصنة.
هذا التحول، كما يراه أويسي، يرمز إلى الهيمنة بدل الانفتاح، ويجعل كل يوم تمر فيه الأقليات يشعر وكأنه اختبار جديد لهويتهم.
صدى دولي وإسلامي
في هذا العالم الافتراضي، ترتفع أصوات من خارج الهند، حيث تُصدر منظمة التعاون الإسلامي بيانات متكررة تقول فيها: “نراقب ما يحدث في الهند بقلق بالغ”. في قاعات البرلمان الماليزي، يلوح وزير الخارجية السابق سيف الدين عبد الله بورقة بعنوان “حقوق الإنسان في الهند”، مؤكدًا أن الصمت الدولي قد يُفسّر كقبول بالتمييز المنهجي.
كما تتعالى الأصوات الشعبية والإعلامية في العالم الإسلامي، حيث يطالب المفكرون والدعاة، مثل ذاكر نايك، بعمل قانوني ودبلوماسي منظم لدعم الأقليات، مع تحذير من أن استمرار التجاهل سيخلق صراعًا طويل الأمد.
مفترق الطرق: الهوية أم الديمقراطية؟
تخيّل أن أويسي يقف على منصة كبيرة، مخاطبًا جمعًا من المواطنين، قائلاً: “لا يمكننا التصويت لمن يسلبون المساجد والمزارات”، مشيرًا إلى أن المعركة اليوم لم تعد سياسية فحسب، بل ثقافية ووجودية. المحلل براتاب بهانو ميهتا يقف في زاوية المشهد، يهمس بأن الهند على مفترق طرق: إما أن تعيد التزامها بالتعددية الدستورية، أو تنحدر نحو نموذج ديمقراطي شكلي يهيمن عليه الأغلبية.
في هذا المشهد التخييلي، المساجد والمزارات لا تعد مجرد أماكن عبادة، بل تمثل ذكريات الوجود التاريخي للمسلمين، وكل تهديد لها يعني تهديدًا لوجودهم في البلاد. الديمقراطية، في هذا السياق، ليست صناديق اقتراع فقط، بل شعور كل مواطن بأن حقوقه محفوظة. تجاهل هذه الحقيقة، كما يحذر أويسي، قد يترك ندوبًا عميقة في المجتمع، ويعيد كتابة تاريخ الهند بطرق لم يتخيلها أحد من قبل.



