الديمقراطية تحت تهديد السلاح: أسطورة الوضع الطبيعي في كشمير المحتلة

بقلم: عدنان
تستند مزاعم الهند بعودة ما يُسمّى «الوضع الطبيعي» إلى جامو وكشمير المحتلة بصورة غير قانونية إلى صورة مُنمّقة بعناية، لا إلى واقع الحياة اليومية للسكان. فمنذ أغسطس/آب 2019، حين ألغت نيودلهي الحكم الذاتي المحدود للمنطقة بموجب المادة 370، دأبت على الترويج لمؤشرات السياحة والبنية التحتية والانتخابات بوصفها دليلاً على الاستقرار.
غير أن هذا «الوضع الطبيعي» المقاس بأرقام سطحية يتجاهل التكاليف السياسية والنفسية والبشرية التي يتحملها السكان في ظل سيطرة أمنية غير مسبوقة. ففي كشمير، لم ينشأ الهدوء تلقائيًا، بل فُرض بفعل إجراءات مدبّرة.
ويكفي النظر إلى حجم العسكرة للتشكيك في أي تصور صادق للحياة الديمقراطية. فمع انتشار ما يقرب من مليون جندي هندي في منطقة يبلغ عدد سكانها المدنيين نحو 14 مليون نسمة، تُعد كشمير من بين أكثر مناطق العالم عسكرة من حيث نسبة الجنود إلى المدنيين.
تهيمن المعسكرات العسكرية والمخابئ ونقاط التفتيش على المدن والقرى على حد سواء. وتشمل الحركة اليومية عمليات تدقيق متكررة للهوية، ومراقبة مستمرة، ومداهمات ليلية، إضافة إلى عمليات تطويق وتفتيش متكررة. هذا الواقع لا يقتصر على توفير الأمن، بل يعيد تشكيل الحياة المدنية حول شعور دائم بالمراقبة والهشاشة. ولا يمكن لديمقراطية حقيقية أن تعمل في فضاء عام مُعسكر.
ويتعزز هذا المشهد الأمني بقوانين استثنائية. فبموجب قانون السلامة العامة، يمكن احتجاز الأفراد لمدة تصل إلى عامين دون محاكمة، وقد طُبّق هذا القانون على آلاف الأشخاص منذ عام 2019.
كما وسّع قانون الأنشطة غير المشروعة (الوقاية) نطاق الاحتجاز الوقائي، ما يسمح بسجن الأفراد لفترات طويلة استنادًا إلى الشبهة لا الأدلة. وقد طالت هذه القوانين الشباب الكشميري بشكل غير متناسب، إذ تشير التقديرات إلى أن غالبية المحتجزين تقل أعمارهم عن ثلاثين عامًا. وعندما تنشأ أجيال كاملة وهي تعلم أن المعارضة قد تقود إلى احتجاز مفتوح الأجل، تصبح المشاركة السياسية مخاطرة لا حقًا.
وغالبًا ما تستشهد الهند بالانتخابات كدليل على استمرار الديمقراطية في جامو وكشمير المحتلة. غير أن السياق السياسي الذي أُجريت فيه هذه العمليات يقوّض مصداقيتها بشكل جوهري.
فعقب أحداث أغسطس/آب 2019 مباشرة، اعتُقل معظم القادة السياسيين البارزين، وبقي بعضهم رهن الاحتجاز لأكثر من عام. كما فُرضت قيود صارمة على التعبئة السياسية والتجمعات العامة، وخضعت روايات المعارضة لرقابة منهجية. ولا يمكن لأرقام الإقبال على التصويت، مهما بدت لافتة، أن تعكس غياب الخيارات الحقيقية أو مناخ الخوف الذي أحاط بعملية الاقتراع.
فالديمقراطية لا تُختزل في الإدلاء بالصوت، بل تقوم على حرية النقاش، والحملات الانتخابية، والمعارضة دون ترهيب.
ويُعد القمع المنهجي للاتصالات أحد أوضح مظاهر فرض «الوضع الطبيعي». فبعد قرار عام 2019، شهدت كشمير انقطاعًا شاملًا للاتصالات، تلاه سنوات من القيود الصارمة على الإنترنت.
وبين عامي 2019 و2021، عانت المنطقة من أكثر من 500 يوم من انقطاع الإنترنت، وهي أطول فترة من هذا النوع تُفرض على منطقة في دولة تُعرّف نفسها بأنها ديمقراطية. وقد ترتب على ذلك ضياع سنوات دراسية للطلاب، وتعطّل خدمات الطوارئ في المستشفيات، وخسائر اقتصادية بمليارات الدولارات. ولا يمكن لمجتمع معزول عن المعلومات أن يدّعي الحرية السياسية.
وتعرضت وسائل الإعلام والمجتمع المدني لضغوط مشابهة. إذ يعمل الصحفيون تحت مراقبة دائمة، ويتعرض كثير منهم للاستدعاء والاستجواب أو الاتهام بموجب قوانين مكافحة الإرهاب، ما يدفعهم إلى الرقابة الذاتية.
وتدرك المؤسسات الإعلامية أن التغطية النقدية قد تؤدي إلى إجراءات قانونية انتقامية. كما استُهدف المحامون والناشطون والأكاديميون، ما أدى إلى تضييق مساحة التفكير المستقل. وعندما يُتحكم بتدفق المعلومات وتُكمم أفواه المعارضين، يصبح مظهر الهدوء مضللًا على نحو خطير.
أما العواقب الإنسانية، فهي بالغة القسوة. فمنذ عام 2019، قُتل أكثر من ألف شخص في ما يُسمى بالمواجهات والعمليات الأمنية، وأُصيب آلاف آخرون. كما أدت عشرات الآلاف من الاعتقالات خلال العقد الماضي إلى تفكك الأسر والمجتمعات.
وتنتشر الصدمات النفسية على نطاق واسع، مع ارتفاع معدلات القلق والاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة، خصوصًا بين الشباب والنساء. هذه ليست أرقامًا مجردة، بل حقائق يومية يعيشها سكان جامو وكشمير المحتلة.
وتضررت الحياة الاقتصادية كذلك، رغم الادعاءات الرسمية بالتنمية. فبينما تُقدّم أرقام السياحة كدليل نجاح، تترافق مع ارتفاع مستمر في معدلات البطالة، خاصة بين الشباب المتعلم.
كما تضررت القطاعات التقليدية، مثل الحرف اليدوية والزراعة، بسبب الإغلاقات المتكررة واضطراب الأسواق. وأفلست العديد من الشركات الصغيرة خلال فترات حظر التجول وانقطاع الاتصالات، ما دفع آلاف الأسر إلى حالة من انعدام الأمن الاقتصادي. ونادرًا ما تُترجم التنمية المعلنة من الأعلى إلى كرامة اقتصادية فعلية على الأرض.
ويزداد المشهد قتامة بسبب غياب استجابة دولية فاعلة. فرغم الاعتراف الدولي الطويل الأمد بنزاع كشمير، ظل الضغط الدبلوماسي محدودًا.
وقد غلّبت الشراكات الاستراتيجية والمصالح التجارية والتحالفات الجيوسياسية المخاوف المتعلقة بتآكل الديمقراطية. هذا الصمت العالمي أتاح لرواية «الوضع الطبيعي» أن تنتشر دون مساءلة، في وقت ما تزال فيه الحقوق الأساسية معلّقة.
فالديمقراطية لا تُقاس بشوارع هادئة، ولا بانتخابات مُتحكَّم بها، ولا بإحصاءات مُنمَّقة. بل تُقاس بحرية التعبير دون خوف، وحرية التنظيم دون قمع، وحرية تخيّل مستقبل سياسي دون إكراه.
في جامو وكشمير المحتلة حلّ الصمت محل الرضا، وفرض الاستقرار عبر المراقبة لا المصالحة. قد يُنتج فرض «الوضع الطبيعي» بالقوة نظامًا، لكنه لا يُنتج شرعية. وإلى أن تُستعاد المبادئ الديمقراطية جوهريًا لا شكليًا، سيظل الادعاء بعودة الوضع الطبيعي مضللًا، وغير قابل للدفاع عنه أخلاقيًا.



