كشميرمقالات

ألطاف حسين واني يكتب: الإرث المظلم.. سجل مآسي كشمير المحتلة

في سجلات جامو وكشمير المحتلة من قبل الهند، يبرز شهر يناير كفترة من الألم العميق والإحياء المهيب للذكرى.

يمثل هذا الشهر تذكيراً صارخاً بصراع طويل الأمد دمر المنطقة لعقود، اتسم بسفك الدماء الممنهج، والأعمال الجماعية العقابية، والظلم المستمر.

منذ بداية انتفاضة التسعينيات وحتى الوقت الحاضر، شهد شهر يناير مراراً وتكراراً عمليات قتل جماعي مروعة وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.

وقد رسخت هذه الأحداث نفسها في الوعي الكشميري، مما زاد من المطالبات بالمساءلة والعدالة والقطيعة النهائية مع العنف الدائم

 

يوم العار في سوبور (6 يناير 1993)

شهدت بلدة سوبور في شمال كشمير رعبًا لا يُصدق في السادس من يناير/كانون الثاني عام 1993، عندما أطلقت قوات حرس الحدود الهندية النار على سكانها العُزّل، ما أسفر عن مقتل 57 شخصًا على الأقل.

ولم يقتصر الهجوم على الرصاص فحسب، بل أحرقت القوات الهندية المركز التجاري للبلدة، فحوّلت مصادر رزق السكان إلى رماد، وشردت المئات.

ويصف شهود عيان كيف أطلق أفراد حرس الحدود النار دون تمييز على المواطنين العاديين، بمن فيهم القُصّر والنساء، قبل أن يُحرقوا المنازل والمتاجر بشكل ممنهج.

تُجسّد حادثة سوبور القصاص الجماعي، حيث عانى سكان البلدة بأكملها بسبب أعمال يُشتبه في أنها من فعل مسلحين.

 

ليلة الرعب في وانداما (25 يناير 1998)

في 25 يناير/كانون الثاني 1998، شهدت قرية وانداما في مقاطعة غاندربال مجزرة مروعة، قُتل فيها 23 من الكشميريين الهندوس بشكل ممنهج.

استهدف الهجوم، الذي نفذه مهاجمون يرتدون زيًا عسكريًا، أفرادًا من طائفة رفضت في أوائل التسعينيات الانضمام إلى عملية نزوح جماعي من الوادي برعاية الدولة.

وبينما عزت الوكالات الهندية المجزرة إلى جماعات مسلحة، في محاولة لتصنيف الحادثة على أنها ذات طابع طائفي، إلا أن الحادثة أثارت تساؤلات عميقة حول قدرة الدولة والتزامها بحماية جميع مواطنيها.

 

مذبحة احتجاجات كوبوارا (27 يناير 1994)

في 27 يناير 1994، شهدت كوبوارا ذروة العنف الذي مارسته الدولة، حين أطلقت وحدات من الجيش الهندي النار على متظاهرين يعارضون اعتقال شاب محلي.

أسفر إطلاق النار العشوائي عن مقتل 27 مدنياً، معظمهم من النساء والأطفال.

تُجسّد مجزرة كوبوارا ميل الأجهزة الأمنية إلى ردود فعل مفرطة تجاه المعارضة المدنية، ما يُؤدي إلى خسائر فادحة في صفوف المدنيين.

 

مذبحة هاندوارا التي استمرت يومين (25-26 يناير 1990)

شهد يومي 25 و26 يناير/كانون الثاني 1990 تحول هاندوارا إلى ساحة مذبحة، حيث لقي أكثر من 50 مدنياً حتفهم في هجوم شنته القوات الهندية.

شكلت هذه المجزرة جزءاً من موجة أوسع من العنف الذي قادته الدولة خلال المرحلة التكوينية للانتفاضة المناهضة للهند، عندما حاولت السلطات سحق المقاومة الناشئة بالقوة المفرطة.

 

جسر الموت لغاوكادال (20 يناير 1990)

أصبحت منطقة غاوكادال في سريناغار رمزاً لوحشية الدولة في 20 يناير 1990، بعد أن أطلق أفراد من قوات الاحتياط المركزية للشرطة النار على ما لا يقل عن 52 متظاهراً.

كانت هذه المظاهرة واحدة من بين العديد من المظاهرات التي تحدت سياسات نيودلهي تجاه كشمير.

وكثيراً ما يُشار إلى غاوكادال باعتبارها المجزرة الأكثر دموية في الصراع، فهي ترمز إلى القمع الوحشي للمعارضة المدنية السلمية.

 

آثار حصار ضريح بيجبيهارا (22 يناير 1994)

بعد يومين من مجزرة كوبوارا، شهدت بيجبيهارا مأساة مماثلة في 22 يناير 1994، عندما أطلقت قوات الأمن الحدودية الهندية النار على 51 متظاهرًا فقتلتهم.

وكان المتظاهرون قد تجمعوا احتجاجًا على الحصار العسكري الذي فرضه الجيش على ضريح حضرة بال في سريناغار.

وقد أظهرت مجزرة بيجبيهارا نمط القوات الهندية في استخدام القوة المفرطة المميتة ضد الاحتجاجات المدنية السلمية.

 

الوحشية الممنهجة والانتقام الجماعي

تشكل هذه الفظائع التي وقعت في يناير/كانون الثاني جزءًا من نمط ممنهج، وليست مجرد مآسٍ معزولة. فقد دأبت القوات الهندية على الرد على الحوادث البسيطة بعمليات قتل جماعي للمدنيين، وحرق متعمد، وتدمير للممتلكات.

ويكشف إحراق مستوطنات بأكملها، كما حدث في سوبور، واستهداف الأقليات، كما في وانداما، عن تكتيكات وحشية لمكافحة التمرد.

وانتهت المظاهرات السلمية باستمرار بعمليات قتل جماعي، كما يتضح من أحداث غاوكادال وبيجبيهارا، مما يدل على استهتار مقلق بحياة المدنيين العزل، وغياب مستمر للمساءلة عن الجناة.

 

الإفلات من العقاب وانتهاكات الحقوق المستمرة

لعلّ الأمر الأكثر إثارة للقلق هو ثقافة الإفلات من العقاب المتأصلة في هذه الجرائم. فالمسؤولون عن إصدار الأوامر وتنفيذ هذه المجازر لم يُحاكموا قط تقريبًا.

وقد مكّنت هذه الحصانة من انتشار حالات الاختفاء القسري والتعذيب الممنهج وتدبير اشتباكات مسلحة، مع بقاء آلاف الأشخاص في عداد المفقودين.

ويؤكد اكتشاف مواقع دفن جماعي في مناطق متعددة من كشمير المحتلة حجم الفظائع.

وقد دأبت نيودلهي على رفض هذه الانتهاكات الموثقة ووصفها بأنها “دعاية ملفقة”، مما زاد من اتساع هوة انعدام الثقة بين الكشميريين والمؤسسة الهندية.

 

إدانة عالمية وتقاعس دبلوماسي

أعربت الهيئات الدولية مراراً وتكراراً عن قلقها البالغ إزاء أزمة حقوق الإنسان في كشمير.

وقد أصدرت الأمم المتحدة ومنظمة العفو الدولية العديد من الإدانات والمطالبات بالمساءلة.

إلا أن هذه المناشدات قوبلت بالتجاهل إلى حد كبير، حيث تمسكت الهند بموقفها الرافض للرقابة الخارجية.

 

الجروح التي لم تلتئم والطريق إلى العدالة

تُشكّل مجازر يناير/كانون الثاني رمزاً راسخاً لصدمة كشمير التي لم تُشفَ، حيث يستمر التسلّح في معاقبة السكان المدنيين.

ولا تزال صرخة العدالة والحقيقة بلا إجابة، مما يُبقي جراح التاريخ مُلتهبة.

وبينما يُحيي الكشميريون ذكرى هذه المآسي سنوياً، لا يسع الضمير العالمي أن يُغض الطرف.

فالسلام المستدام يتطلب كشف الحقيقة، والمساءلة القضائية، والوقف النهائي للعنف.

 

يجب حفظ روايات سوبور، وانداما، وكوبوارا، وهاندوارا، وغاوكادال، وبيجبيهارا في الذاكرة التاريخية.

فهي تشهد على صمود الكشميريين وتحث المجتمع الدولي على الوقوف إلى جانبهم في سعيهم لتحقيق العدالة والكرامة الإنسانية.

 

الكاتب رئيس معهد كشمير للعلاقات الدولية

نقلا عن جريدة الأمة الإلكترونية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى