مقالات

من قرارات الأمم المتحدة إلى النسيان العالمي: لماذا لا تزال كشمير تنتظر العدالة؟

بقلم: طه إكرام

في يناير/كانون الثاني 1948، لجأت الهند إلى مجلس الأمن الدولي لتدويل نزاع كشمير، سعيًا إلى وساطة دولية عقب الحرب الأولى بينها وبين باكستان. وقد استجاب المجلس سريعًا، حيث اعتمد ما لا يقل عن أحد عشر قرارًا بين عامي 1948 و1957 بشأن جامو وكشمير.

اتفقت هذه القرارات جميعها على مبدأ واضح يتمثل في تحديد الوضع النهائي للإقليم عبر استفتاء حر ونزيه يعكس إرادة شعبه. ولم يكن ذلك مجرد طرح أخلاقي، بل التزامًا قانونيًا دوليًا صريحًا. وبعد أكثر من سبعة عقود، لا تزال هذه القرارات قائمة قانونيًا، لكنها غائبة سياسيًا.

يُعد قرار مجلس الأمن رقم 47 الصادر في أبريل/نيسان 1948 الأبرز بين تلك القرارات، إذ نصّ على وقف إطلاق النار، ونزع السلاح، ثم إجراء استفتاء بإشراف الأمم المتحدة. إلا أن أياً من هذه الخطوات لم يُنفذ بشكل كامل. ومع ذلك، لم تُلغَ القرارات ولم تُستبدل بإطار تسوية بديل.

كما أنشأت الأمم المتحدة بعثة المراقبة العسكرية في الهند وباكستان (UNMOGIP)، والتي لا تزال تعمل حتى اليوم، في اعتراف ضمني باستمرار النزاع. ويكشف هذا الواقع تناقضًا واضحًا، حيث تعترف الأمم المتحدة بالمشكلة مؤسسيًا، لكنها تتجنب معالجتها سياسيًا.

لا يعود هذا الجمود إلى غموض قانوني، بل إلى حسابات سياسية دولية. ففي عام 1948 كانت الهند دولة حديثة الاستقلال، أما اليوم فهي قوة اقتصادية كبرى ودولة نووية وشريك استراتيجي رئيسي للغرب. وقد تعزز هذا الموقع بعد اتفاقية التعاون النووي المدني مع الولايات المتحدة عام 2008.

بين عامي 2008 و2023، تجاوز حجم التجارة الدفاعية بين الهند والولايات المتحدة 20 مليار دولار، إلى جانب توسع المناورات والتعاون الاستخباراتي. وفي هذا السياق، تُنظر إلى قضية كشمير باعتبارها عبئًا دبلوماسيًا أكثر من كونها التزامًا قانونيًا.

يسهم هيكل مجلس الأمن في تكريس هذا الصمت، إذ يتطلب تنفيذ القرارات توافق الدول الخمس دائمة العضوية. وأي تحرك جاد بشأن كشمير يواجه خطر الفيتو. فالولايات المتحدة تتجنب إغضاب الهند، وروسيا تتحفظ على المساس بالسيادة، فيما تكتفي أوروبا بإبداء القلق دون ضغط فعلي.

ويبرز التفاوت في تطبيق المعايير الدولية عند مقارنة كشمير بنزاعات أخرى. فمنذ عام 1989، تشير تقديرات إلى مقتل أكثر من 90 ألف شخص في الإقليم، مع آلاف حالات الاختفاء القسري والانتهاكات الحقوقية. ومع ذلك، لم تُفرض أي عقوبات أو آليات مساءلة دولية.

في المقابل، أعقب الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022 فرض آلاف العقوبات واعتماد قرارات أممية متتالية. ولا يعكس هذا التفاوت اختلاف حجم المعاناة، بل اختلاف التحالفات الجيوسياسية.

تستند الهند في موقفها إلى اعتبار كشمير قضية ثنائية وفق اتفاقية سيملا لعام 1972، غير أن هذا الادعاء لا يُبطل قرارات مجلس الأمن. فميثاق الأمم المتحدة يمنح التزامات المجلس أولوية على أي اتفاقيات أخرى.

وقد كشفت أحداث 5 أغسطس/آب 2019 خطورة هذا النهج، حين ألغت الهند الوضع الخاص للإقليم دون استفتاء أو رقابة دولية، وأعقب ذلك إغلاق أمني واسع واعتقالات جماعية. وفي ذروة التصعيد، أصبحت كشمير من أكثر مناطق العالم عسكرة.

ورغم توثيق الأمم المتحدة لانتهاكات جسيمة، اكتفى مجلس الأمن بمشاورات مغلقة دون قرارات أو بيانات. ويعكس هذا الصمت تفضيل النظام الدولي للاستقرار على حساب العدالة.

لا تزال كشمير تنتظر العدالة لأن القانون الدولي يفتقر إلى الإرادة السياسية اللازمة لتنفيذه. فالقوة تتغلب على المبادئ، وحق النقض يُعطل الاتساق القانوني، بينما يُهمش شعب كشمير عن تقرير مستقبله.

إن استمرار تجاهل قرارات مجلس الأمن بشأن كشمير لا يعكس فشل القانون، بل انسحابًا متعمدًا من نظام دولي غير راغب في مواجهة المصالح بالقيم، ما يجعل العدالة المؤجلة واقعًا دائمًا لشعب لم يُمنح بعد حقه الموعود.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى