سلايدرطريق الحرير

الباكستانيون يثنون على الاستقرار الاقتصادي ويطالبون بإصلاح شامل للفساد

شهدت الساحة الباكستانية نقاشًا واسعًا بعد صدور نتائج “المسح الوطني لمدركات الفساد 2025” الذي أجرته منظمة الشفافية الدولية في باكستان.

وقد حملت النتائج مزيجًا من الإشارات الإيجابية والتحديات المستمرة، ما يعكس وضعًا معقدًا يمر به المجتمع الباكستاني بين آمال الإصلاح الاقتصادي والمؤسسي، وبين واقع الضغوط المعيشية وتراجع القوة الشرائية.

التقرير، الذي شمل 4000 مشارك من 20 مقاطعة خلال الفترة من 22 إلى 29 سبتمبر 2025، يعدّ من أوسع المسوح التي أجرتها المنظمة محليًا، خصوصًا أنه ضم فئات طالما غابت عن الاستطلاعات مثل الأشخاص ذوي الإعاقة والمتحولين جنسيًا وسكان المناطق الريفية.

وتعكس هذه الشمولية رغبة المنظمة في تقديم صورة دقيقة للمشاعر العامة، بدلًا من الاقتصار على النخب الحضرية.

استقرار اقتصادي… ولكنه غير ملموس للجميع

بحسب نتائج الاستطلاع، فإن ما يقرب من 60٪ من المشاركين وافقوا على أن الحكومة نجحت في تحقيق الاستقرار الاقتصادي، مستندين في ذلك إلى برنامج صندوق النقد الدولي وخروج باكستان من القائمة الرمادية لفرقة العمل المالية (FATF).

ويعد هذا التحسن – وفق خبراء الاقتصاد – مؤشرًا مهمًا لعودة الثقة الدولية في الاقتصاد الباكستاني، خاصة من حيث المعاملات البنكية واستثمار رأس المال الأجنبي.

لكن هذه الصورة الإيجابية لم تكن شاملة؛ إذ إن 57٪ من المشاركين قالوا إن قدرتهم الشرائية انخفضت خلال العام الماضي.

ويرى محللون أن هذا التناقض يعود إلى الفجوة بين “الاستقرار الاقتصادي الكلي” الذي يظهر في المؤشرات الدولية، وبين “الاستقرار المجتمعي” الذي يشعر به المواطن العادي، والذي يتأثر بالضرائب، والغلاء، وتكاليف الخدمات، بما في ذلك الوقود والمواد الأساسية.

ويرى الخبير الاقتصادي عمران شرف أن نتائج الاستطلاع “تعكس نجاحًا حكوميًا في التحكم بالمؤشرات الاقتصادية الكبرى، لكنه نجاح غير مترجم بعد إلى تخفيف الضغوط عن الطبقات الفقيرة والمتوسطة”.

انخفاض ضغوط الرشوة… وتقدم بطيء في مكافحة الفساد

إحدى النتائج اللافتة كانت إفادة 66٪ من المشاركين بأنهم لم يتعرضوا لأي ضغوط لدفع رشوة خلال الأشهر الـ12 الماضية. وهذا الرقم يشير إلى تحسن نسبي في تعامل المواطن مع المؤسسات الحكومية، خاصة في الخدمات الأساسية.

إلا أن الشرطة بقيت  وفق التقرير  القطاع الأكثر فسادًا بنسبة 24٪، رغم تحسنٍ بنسبة 6٪ في التصورات العامة مقارنة بالعام الماضي. ويأتي بعدها قطاع المناقصات والمشتريات بنسبة 16٪، ثم القطاع القضائي بنسبة 14٪.

ويقول الخبير في السلوك المؤسسي فضل الرحمن إن “الشرطة كانت دائمًا النقطة الأكثر حساسية في علاقة المواطن بالدولة، لأنها الواجهة الأولى لسلطة القانون، ولذلك فإن أي تحسن ولو كان محدودًا يعد مؤشرًا جيدًا، لكنه لا يكفي ولا يعكس تحولًا جذريًا بعد”.

من جهة أخرى، شهدت قطاعات مثل التعليم والحكم المحلي والأراضي والممتلكات تحسينات في إدراك المواطنين لسلوك الموظفين ومستوى الخدمات المقدمة. وتعد هذه الإشارات بداية تحول قد يعزز الثقة بين المواطن والمؤسسسات الحكومية.

مؤسسة مكافحة الفساد… ثقة ناقصة ومطالبة بالإصلاح

من بين أهم ما جاء في الاستطلاع هو الإجماع الشعبي على ضرورة إصلاح مؤسسات مكافحة الفساد. فقد قال 78٪ من المشاركين إن مؤسسات مثل المكتب الوطني للمحاسبة (NAB) ووكالة التحقيقات الفيدرالية (FIA) بحاجة إلى مزيد من الشفافية والمساءلة، معتبرين أن أداءها ما زال بعيدًا عن الطموح.

ووضع المشاركون أولويات واضحة للتقليل من الفساد:

تعزيز المساءلة – 26٪

تقليل الصلاحيات التقديرية – 23٪

قوانين أقوى للحق في المعلومات – 20٪

ويرى القاضي المتقاعد ضياء برفيز، رئيس منظمة الشفافية الدولية في باكستان، أن نتائج المسح يجب أن تُقرأ كـ”تعبير عن المزاج العام، وليس كدليل قطعي على مستويات الفساد”. مؤكدًا أن هذه النتائج لا تؤثر على ترتيب باكستان في مؤشّر مدركات الفساد العالمي.

الصحة… قطاع يحتاج إلى إعادة هيكلة

كشف التقرير عن رؤية شعبية واضحة تجاه إصلاح القطاع الصحي. فقد دعم 23٪ فرض ضوابط على العمولات التي تدفعها شركات الأدوية للأطباء، وهو ملف لطالما أثار جدلًا بشأن تضارب المصالح.

كما أيّد 20٪ حظر الممارسة الخاصة لأطباء القطاع العام، معتبرين أن الجمع بين العملين يؤثر سلبًا في جودة الخدمة المقدمة في المستشفيات الحكومية.

هذه النتائج  بحسب أطباء متخصصين  تعكس فقدان الثقة لدى المواطنين في منظومة الصحة العامة، وتظهر الحاجة إلى إصلاح شامل يتجاوز الإجراءات الشكلية.

التمويل السياسي… مطلب شعبي للشفافية

أظهرت نتائج المسح تأييدًا ساحقًا لإصلاح التمويل السياسي، حيث أيّد 83٪ من المشاركين فرض حظر أو تنظيم صارم لتمويل الشركات للأحزاب السياسية. كما طالب 55٪ بحظر استخدام أسماء وصور قيادات الأحزاب في الإعلانات الحكومية، في خطوة تهدف إلى فصل الخدمات العامة عن الدعاية السياسية.

ويقول المحلل السياسي نذير خان إن هذه المطالب “تعكس اتساع إدراك الشعب الباكستاني للعلاقة بين المال السياسي والفساد المؤسسي، وأن الإصلاح السياسي أصبح شرطًا أساسيًا للإصلاح الاقتصادي”.

حماية المبلغين… شرط لتشجيع الشفافية

وجد الاستطلاع أن 42٪ من الباكستانيين سيبلغون عن الفساد لو توفرت قوانين قوية لحماية المبلغين. وتشير هذه النسبة إلى وجود استعداد شعبي للمساهمة في مكافحة الفساد– لكن بشرط توفير الحماية القانونية وعدم الكشف عن الهوية وضمان مكافآت عادلة.

ويُجمع الخبراء على أن غياب حماية المبلغين يعد أحد أكبر العوائق أمام مكافحة الفساد في باكستان.

يعكس تقرير “مدركات الفساد 2025” حالة معقدة:

نجاح اقتصادي نسبي لا ينعكس بالكامل على حياة المواطن.

تراجع في ضغوط الرشوة لكن بقاء الشرطة في صدارة القطاعات المتضررة.

دعم شعبي واسع للإصلاح المؤسسي والسياسي.

ثقة ناقصة في مؤسسات مكافحة الفساد الرسمية.

مطالب واضحة بإصلاح القطاع الصحي والسيطرة على نفوذ الشركات.

وبينما تشير النتائج إلى تحسن في المزاج العام، إلا أنها تكشف أيضًا عمق التحديات التي تواجهها باكستان في مسار الإصلاح، ما يجعل المرحلة المقبلة اختبارًا حقيقيًا لقدرة المؤسسات على الاستجابة لإرادة الشعب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى