مراقبة الحجاب والقانون: التداعيات الدستورية لحادثة بيهار

بقلم: مهر النساء
أثار مقطع الفيديو المتداول الذي يظهر رئيس وزراء ولاية بيهار، نيتيش كومار، وهو ينزع الحجاب عن امرأة مسلمة تُدعى نصرت بروين خلال فعالية حكومية رسمية، موجة غضب واسعة على مستوى الهند.
لكن ما يتجاوز الصدمة الآنية لمشهد هذا الانتهاك العلني هو سؤال أعمق وأكثر خطورة: ماذا تكشف هذه الحادثة عن واقع الحقوق الدستورية والمسؤولية القانونية في الهند؟ عند النظر إليها من زاوية القانون، لا يمكن اعتبار ما حدث مجرد خرق للبروتوكول أو زلة سياسية معزولة، بل هو انتهاك صارخ للحريات الأساسية التي يكفلها الدستور الهندي وقواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان.
في صميم هذه الواقعة يكمن الإزالة القسرية لرمز ديني. فالحجاب ليس مجرد قطعة لباس؛ بل يمثل لملايين النساء المسلمات خيارًا شخصيًا، وتعبيرًا عن الإيمان، وممارسة للهوية.
ويحمي الدستور الهندي هذه الحرية بموجب المادة 25 التي تكفل الحق في اعتناق الدين وممارسته ونشره بحرية، شريطة عدم الإخلال بالنظام العام أو الأخلاق أو الصحة.
إن نزع الحجاب قسرًا عن امرأة في مناسبة عامة يقوض هذه الحرية بشكل مباشر، ويبعث برسالة مقلقة مفادها أن المسؤولين العموميين يمكنهم ممارسة السلطة على الإيمان الشخصي دون مساءلة.
وتكمل المادة 26 من الدستور هذا الإطار، إذ تضمن لكل طائفة دينية الحق في إدارة شؤونها الخاصة في المسائل الدينية. ومن خلال التدخل في قرار شخصي وديني بحت، لا تنتهك الدولة حقوق الأفراد فحسب، بل تتعدى أيضًا على الاستقلالية الأوسع للجماعات الدينية.
وعندما يتصرف ممثل حكومي كشرطي أخلاقي أو ديني، فإنه يضع نموذجًا خطيرًا لتدخل مؤسسي في الخيارات الشخصية، ما يقوض التعددية التي تقوم عليها الديمقراطية الهندية.
كما تستدعي الحادثة المادة 21 من الدستور، التي تكفل الحق في الحياة والحرية الشخصية. وقد فسرت المحكمة العليا الهندية.
هذه المادة تفسيرًا واسعًا ليشمل الحق في الكرامة والاستقلال الذاتي والتعبير عن الذات. إن تجريد امرأة علنًا من حجابها يُعد في جوهره اعتداءً على كرامتها واستقلالها الجسدي، ويوصل رسالة مفادها أن إرادتها مرهونة بنزوات السلطة، وهو مبدأ يتعارض جذريًا مع الحماية الدستورية.
إلى جانب ذلك، تنطوي الواقعة على انتهاك للمادة 14 التي تكفل المساواة أمام القانون وتحظر التمييز على أساس الدين أو الطبقة أو الجنس أو المعتقد. إن استهداف النساء المسلمات بسبب تعبيرهن الظاهر عن الإيمان، في حين يُسمح لغيرهن بممارسة رموزهن الدينية أو الثقافية بحرية، يخلق بيئة تمييزية. فالقانون وُضع لحماية جميع المواطنين على قدم المساواة، وعندما يشارك مسؤولو الدولة في أفعال إذلال انتقائية، فإنهم ينتهكون جوهر مبدأ الحماية المتساوية.
ولا يقتصر الأمر على الجدل النظري. فالفقه القضائي الهندي أقر منذ زمن بأن انتهاكات الحقوق الدستورية تستوجب سبل إنصاف.
ويمكن أن تشمل هذه السبل فتح تحقيقات رسمية، أو اتخاذ إجراءات قانونية ضد المسؤولين المتورطين، أو رفع دعاوى مدنية بسبب انتهاك الحقوق الأساسية. ولا تكفي الإدانة العلنية وحدها؛ إذ تتحمل الدولة واجبًا قانونيًا بضمان المساءلة. إن التقاعس عن اتخاذ إجراء لا يكرس الإفلات من العقاب فحسب، بل يقوض أيضًا سلطة الدستور نفسه.
وعلى الصعيد الدولي، تثير الحادثة التزامات الهند في مجال حقوق الإنسان. فالهند دولة موقعة على العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي يحمي حرية الفكر والوجدان والدين.
وتنص المادة 18 من العهد صراحة على حماية الحق في إظهار الدين من خلال الممارسة والعبادة والالتزام بالشعائر. وعندما يقوم مسؤول حكومي بنزع لباس ديني قسرًا، فإن ذلك يشكل خرقًا لالتزامات الهند بموجب القانون الدولي، ويوجه إشارة مقلقة إلى المجتمع الدولي بشأن استعداد الدولة لاحترام الحقوق الفردية.
ويؤكد باحثون قانونيون ومدافعون عن حقوق الإنسان أن التطبيق المؤسسي للحقوق الدستورية أمر بالغ الأهمية.
فلا بد من تدريب المسؤولين العموميين على احترام الحرية الدينية، ووجود آليات فعالة لمعاقبة من يسيئون استخدام السلطة. كما يجب أن تكون المحاكم مستعدة للتدخل السريع، لأن التأخير أو التقاعس يشجع على المزيد من الانتهاكات.
ويلعب المجتمع المدني أيضًا دورًا محوريًا في توثيق التجاوزات وضمان إتاحة المسارات القانونية للضحايا، لا سيما النساء المهمشات اللواتي غالبًا ما تُسكت أصواتهن.
وتشكل حادثة الحجاب في بيهار كذلك إنذارًا بشأن تقاطع القانون والسياسة والثقافة. فبينما قد يسعى الفاعلون السياسيون إلى توظيف الأفعال العلنية لتحقيق مكاسب أيديولوجية، يظل الدستور إطارًا وقائيًا صُمم لحماية المواطنين من هذا النوع من الإكراه تحديدًا. وتقع على عاتق جميع فروع الحكومة مسؤولية صون هذه المبادئ بحياد، دون اعتبار للمزاج العام أو للمصلحة السياسية الضيقة.
في الختام، فإن نزع حجاب نصرت بروين قسرًا ليس مجرد فعل إساءة معزول، بل هو انتهاك لعدة ضمانات دستورية، منها حرية الدين والحرية الشخصية والمساواة.
وهو يكشف هشاشة الحماية القانونية عندما تُمارس سلطة الدولة دون قيود. والطريق إلى الأمام واضح: هذه الحادثة تستدعي مساءلة قانونية لا لبس فيها، وإصلاحات مؤسسية، وإعادة تأكيد صارمة للمعايير الدستورية.
فلا يمكن للهند أن تفي بحقوق مواطنيها، وتحترم دستورها، وتلتزم بتعهداتها الدولية، إلا بمواجهة مثل هذه الانتهاكات بحزم.
قد يصنع الإذلال العلني عناوين الأخبار ليوم واحد، لكن القانون وحده هو الكفيل بضمان أن تظل الكرامة والاستقلالية والإيمان حقوقًا غير قابلة للمساومة. وأي إخفاق في إنفاذ الحماية الدستورية سيبعث برسالة مفادها أن بعض المواطنين عرضة للإكراه، لا رغم وجود القانون، بل بسبب تخلي الدولة عن واجبها القانوني.



