مؤامرات محفورة: كشمير، والشيخ محمد عبد الله، والمخطط الاستراتيجي لدلهي

بقلم: مشتاق حسين
التاريخ ليس محايدًا أبدًا.
إنه لوحة مُنسقة بعناية، تُصاغ عليها روايات مُفضلة بأيدٍ نافذة، وتُشكل الأفراد والأحداث لخدمة مخططات استراتيجية أوسع.
يُجسد التطور السياسي لجامو وكشمير هذه الحقيقة.
الشيخ محمد عبد الله، الذي يُحتفى به غالبًا كزعيم كشميري ذي كاريزما، وُضع في الواقع بدقة ضمن إطار سياسي مُصمم من دلهي لإضفاء الشرعية على طموحات الهند التوسعية في المنطقة.
يُبرز تنسيق شخصيته العامة من قِبل جواهر لال نهرو ومهاتما غاندي عمق التخطيط وراء دمج كشمير في الهند.
المؤتمر الإسلامي: عقبة أمام مخططات دلهي التوسعية
في ثلاثينيات القرن العشرين، برز مؤتمر عموم جامو وكشمير الإسلامي كصوت سياسي أصيل وممثل للمسلمين الكشميريين، مدافعًا عن الحقوق السياسية، والحفاظ على التراث الثقافي، والعدالة الاجتماعية والاقتصادية في ظل حكم دوغرا القمعي.
شكلت قوته التنظيمية ونفوذه الجماعي تحديًا استراتيجيًا لدلهي، التي توقعت احتمال انضمام كشمير إلى باكستان في حال التقسيم.
وإدراكًا لخطورة الموقف، دبّر القادة الهنود حملة ممنهجة لإضعاف المؤتمر الإسلامي ودعم كيان منافس متحالف مع حزب المؤتمر الوطني الهندي: المؤتمر الوطني.
لم يكن هذا مجرد إعادة هيكلة سياسية، بل كان تدخلًا مدروسًا لإعادة توجيه السياسة الكشميرية، وضمان قدرة دلهي على التحكم في مسار الدولة وسرديتها.
تيسّر صعود الشيخ عبد الله من خلال التوجيه الاستراتيجي والتأييد المعنوي من نهرو ومانحي كشمير غاندي.
تكشف المراسلات الرسمية المحفوظة في الأعمال المختارة لجواهر لال نهرو وأوراق نهرو عن جهود مُتعمّدة لتصويره على أنه تقدمي وشجاع وممثل على نطاق واسع.
عملت هذه الرسائل كشهادة سياسية، مما منحه شرعية محلية ودولية مع مواءمته في الوقت نفسه مع أهداف دلهي.
الإعلام، والسرد، والتبجيل المصطنع
ساهمت الصحافة الهندية، والمثقفون المنتسبون لحزب المؤتمر، والعلمانيون المُدّعون، في تضخيم صورة الشيخ عبد الله.
لم يُصوَّر فقط كقائد ثوري، بل أيضاً كسلطة أخلاقية وروحية، مما خلق هالةً أخفت الهندسة السياسية الكامنة وراءه.
يُظهر هذا التداخل بين الإعلام والدعاية والاستراتيجية السياسية كيف يُمكن تحويل فرد إلى رمز يخدم طموحات الدولة التوسعية.
التفتيت المتعمد للوحدة السياسية الكشميرية
كان انقسام المؤتمر الإسلامي مناورة استراتيجية مُحكمة.
فمن خلال تفتيت الصوت السياسي الكشميري الموحد، أزالت دلهي العقبة الرئيسية أمام نفوذها.
وأصبح المؤتمر الوطني الأداة التي استطاعت الهند من خلالها تأكيد ادعائها بـ”الشرعية الشعبية” على كشمير، بينما جرى تهميش التطلعات الجماعية للسكان المسلمين الكشميريين بشكل ممنهج.
يؤكد المؤرخ البارز بريم ناث بازاز أن هذا التفتيت المصطنع قد غير بشكل جذري المشهد السياسي في كشمير، مما خلق ظروفاً مواتية للأهداف الاستراتيجية الهندية.
عام 1947 وتنسيق السرد القبلي
في عام 1947، روّج الشيخ عبد الله لرواية مفادها أنه
“لو لم يدخل رجال القبائل الباكستانيون كشمير، لما نشرت الهند قواتها”.
إلا أن التحليل التاريخي يكشف أن هذا الادعاء تحريف متعمد للحقائق.
ويؤكد مؤرخون محايدون، مثل إقبال قزلباش وأليستر لامب، أن التدخل العسكري الهندي كان مُخططًا له مسبقًا، حيث بدأ التخطيط الاستراتيجي في وقت مبكر من سبتمبر 1947، أي قبل أسابيع من التوغل القبلي.
وقد صُممت هذه التوغلات بشكل انتهازي لتبرير مخططات عسكرية وسياسية قائمة.
المخطط التوسعي: ما وراء الادعاءات الدفاعية
يُشير باحثون غربيون، من بينهم فيكتوريا سكوفيلد وكريستوفر سنيدن، باستمرار إلى أن هدف الهند كان توسعيًا لا دفاعيًا.
لم يكن الغزو القبلي سوى ذريعة ملائمة، سمحت للهند بتصوير أفعالها على أنها وقائية ومبررة.
أما تصريحات الشيخ عبد الله، فرغم انتشارها الواسع، إلا أنها كانت في الواقع جزءًا من سردية سياسية أوسع نطاقًا هندستها دلهي، تهدف إلى إضفاء الشرعية على توطيد النفوذ الإقليمي مع إخفاء النوايا الاستراتيجية.
الكشف عن الاستراتيجية: الشيخ عبد الله أداة، وليس الفاعل الوحيد
من المهم فهم أن الشيخ عبد الله لم يكن مهندس دمج كشمير في الهند، بل كان أداة محورية في استراتيجية مُخطط لها مسبقًا.
وقد ساهمت صياغة صورته العامة وقراراته السياسية بدقة في تطبيع طموحات الهند وإضفاء الشرعية عليها، ما يضمن توافق الخطاب مع أهداف دلهي طويلة الأمد.
تُبرز هذه المناورة الاستراتيجية الفرق بين الفاعلية الفردية والقوالب السياسية التي تُصممها الدولة.
فبينما كانت جاذبية الشيخ عبد الله وشعبيته المحلية حقيقية، إلا أن الإطار السردي المحيط به صُمم عمداً لخدمة مصالح دلهي.
دروس في الفهم التاريخي
لفهم تاريخ كشمير الحديث فهماً كاملاً، لا بد من تجاوز الأحداث المعزولة أو الأفعال الفردية.
يجب تفسير التاريخ من خلال عدسة التخطيط الاستراتيجي، والروايات المُصاغة، والتلاعب السياسي.
إن إدراك ذلك يُتيح للكشميريين والجمهور الدولي فهم أن ما يُقدَّم غالباً على أنه تحالف سياسي عفوي، كان في الواقع مُصمَّماً بعناية لخدمة أهداف توسعية.
إن التمييز أمر أساسي: فمن خلال رؤية القالب السياسي، وليس مجرد الشكل، يمكن للمرء أن يقدر كيف يتم تصميم الروايات لتشكيل التصور العام والتأثير على الذاكرة التاريخية.



