مقالات

ليس خط سكة حديد بـ«كشمير المحتلة».. بل استيلاء عسكري

«تنمية» قسرية في شوبيان

بقلم: مشتاق حسين

عندما يتم فرض التنمية دون رضا، فإنها تتوقف عن كونها تقدماً، وتتحول بدلاً من ذلك إلى أداة قسرية متقنة.

فعندما تصادر الأرض باسمها، وتدمر سبل العيش الزراعية، ويكمم الأفواه بالقوة، فإن التنمية لا تخدم الناس، بل تخدم السلطة.

يعد مشروع السكك الحديدية المقترح في منطقة شوبيان في جامو وكشمير المحتلة بشكل غير قانوني من قبل الهند مثالاً صارخاً على هذا “التنمية” القسرية،

والتي يتم صياغتها بعناية على أنها رفاهية عامة بينما تخفي أجندة أعمق تتمثل في التوطيد العسكري والتجريد الاقتصادي والمعاناة الإنسانية.

اقترحت السكك الحديدية الهندية إنشاء خط سكة حديد بطول 26 كيلومترًا عبر شوبيان، مدعيةً أنه سيحسن الاتصال، ويعزز النشاط الاقتصادي، ويسهل السفر للسكان المحليين.

لكن وراء هذه الشعارات المطمئنة، تكمن حقيقة مرّة. يتطلب المشروع تدمير أكثر من 700 ألف شجرة،

غالبيتها العظمى من بساتين التفاح التي تشكّل عماد اقتصاد كشمير الريفي، إلى جانب الاستيلاء على مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية الخصبة.

هذه ليست تضحية يقدّمها الكشميريون طواعيةً، بل هي تضحية يتم انتزاعها منهم قسرًا.

شوبيان ليست مجرد منطقة على الخريطة،

شوبْيان رمز للهوية الزراعية لكشمير وصمودها الاقتصادي. بساتين التفاح فيها ليست مجرد مناظر طبيعية للزينة، بل هي شريان حياة.

على مرّ الأجيال، كانت هذه البساتين مصدر رزق للأسر، وموّلت التعليم، وحافظت على كرامة الإنسان وسط عقود من الصراع.

إن تدمير مئات الآلاف من الأشجار المثمرة ليس مجرد خسارة بيئية، بل هو اعتداء على سبل العيش والأمن الغذائي والذاكرة الجماعية.

كل بستان يُقتلع من جذوره يمثل أسرةً تدفع نحو الهاوية الاقتصادية.

لذا يبرز سؤال جوهري: هل طالب سكان شوبيان بهذا الخط الحديدي؟ هل يلبي احتياجاتهم الأكثر إلحاحًا؟ هل سيُحسّن حياتهم اليومية حقًا؟

الجواب، الذي يتردد صداه في الاحتجاجات المحلية والمعارضة الواسعة، هو قطعًا لا لبس فيه: لا. لا يحظى المشروع بتفويض شعبي ولا بشرعية محلية.

بالنسبة لسكان كشمير، لا يمثّل المشروع فرصةً، بل تعديًا؛ ولا يمثّل حرية تنقل، بل عسكرة.

في الواقع، لا تكمن الفائدة الأساسية للسكك الحديدية في رفاهية المدنيين، بل في الدعم اللوجستي الاستراتيجي للجيش الهندي.

فالسكك الحديدية في مناطق النزاع ليست بنية تحتية محايدة، بل تسهّل النقل السريع للقوات والأسلحة والإمدادات، مما يوسّع النطاق العملياتي لقوات الاحتلال.

ينسجم خط سكة حديد شوبيان بسلاسة مع منظومة الأمن الهندية الأوسع نطاقاً في كشمير، المصممة لتشديد السيطرة بدلاً من تمكين السكان.

ويعكس مساره أولويات الإدارة المحتلة والقيادة العسكرية، لا المصلحة العامة.

لا يمكن دراسة هذا المشروع بمعزل عن غيره

فمنذ 5 أغسطس/آب 2019، اتخذت سياسات الهند في كشمير مسارًا واضحًا ومثيرًا للقلق.

وقد مثّل إلغاء الحكم الذاتي المحدود لكشمير بداية حملة شرسة لإعادة تشكيل المشهد القانوني والديموغرافي والاقتصادي للمنطقة.

وتمّ تفكيك الحماية القانونية للأراضي، وتقويض الملكية المحلية، وفتح المجال أمام السيطرة الخارجية على موارد كشمير.

وتحت شعار “التنمية”، تضاعفت الطرق السريعة والأنفاق والسكك الحديدية، إلا أن المستفيدين نادرًا ما يكونون السكان الذين تمر أراضيهم بها.

إلى جانب هذا التحول القسري، يبرز نمطٌ مقلقٌ بنفس القدر من القمع.

فقد أصبحت المواجهات المدبرة وعمليات القتل خارج نطاق القانون التي تستهدف الشباب الكشميري سمةً متكررةً في الخطاب الأمني.

يوصَم الشبان -وكثيرٌ منهم طلابٌ أو عمالٌ أو مزارعون- بشكلٍ روتينيٍّ بالمسلحين ويقتلون فيما تصفه السلطات بمواجهاتٍ مسلحة،

ليتبين لاحقًا أن الأدلة تشير إلى تلفيق هذه الادعاءات وإساءة استخدام السلطة.

عمليات القتل تخدم هذه غرضًا قاتمًا:

بثّ الخوف، والقضاء على المعارضة، وتنبيه المجتمعات بأكملها إلى ثمن المقاومة.

وهكذا، تتكشف عمليتان متوازيتان في جامو وكشمير المحتلة.

فمن جهة، تصادر الأراضي وتدمر البساتين الزراعية الخصبة باسم البنية التحتية؛ ومن جهة أخرى، تُزهق الأرواح باسم الأمن.

تشكل هاتان العمليتان معًا استراتيجية موحدة للهيمنة، إحداهما

تعيد تشكيل المشهد الطبيعي، والأخرى ترهب السكان. يوصم المزارعون الذين يقاومون الاستيلاء على أراضيهم بمعاداة الدولة.

وتتجاهل المخاوف البيئية باعتبارها تهديدات أمنية. وتُكمم أفواه العائلات التي تسعى إلى تحقيق العدالة لأبنائها القتلى بالترهيب.

من الأهمية بمكان إدراك أن غابات كشمير الطبيعية قد عانت بالفعل من أضرار جسيمة على مدى عقود من التواجد العسكري الهندي والاستغلال غير المنضبط،

مما ساهم بشكل كبير في التدهور البيئي وزيادة هشاشة المنطقة أمام تغير المناخ.

ويمثل الهجوم المستمر على البساتين الزراعية، في أعقاب استنزاف الغابات الطبيعية، أزمة بيئية متراكمة.

اختلال التوازن البيئي

هذا التدمير المتراكم يسرّع من اختلال التوازن البيئي ويضعف في الوقت نفسه القدرة الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع الكشميري على الصمود.

التنمية الحقيقية تشاركية، وهي متجذرة في الرضا والشفافية واحترام الأولويات المحلية. ما يحدث في شوبيان ينتهك كل هذه المبادئ.

تُتخذ القرارات في أروقة السلطة البعيدة، وتُفرض بالقوة، وتُبرر بخطاب لا يمت للواقع بصلة.

في هذا المناخ، تتحول لغة التنمية إلى أداة للخداع، تخفي التجريد من الممتلكات تحت ستار التقدم، والإكراه تحت ستار الإصلاح.

إن العواقب طويلة الأمد لمثل هذه السياسات وخيمة. فعندما تفقد المجتمعات أراضيها، تنهار أسسها الاقتصادية.

وعندما تفكك الأنظمة الزراعية، يحل الاعتماد على الغير محل الاعتماد على الذات.

وعندما ينشأ الشباب تحت رقابة مستمرة وخوف وعدم يقين، يُدفع جيل كامل نحو الاغتراب واليأس.

وما ينتج عن ذلك ليس استقراراً، بل حلقة مفرغة من الاستياء تُهدد السلام في مناطق أبعد بكثير من كشمير.

استمرار صمت المجتمع الدولي

ومما يثير القلق أيضاً استمرار صمت المجتمع الدولي. فالمؤسسات التي تتحدث باستمرار عن حقوق الإنسان وحماية البيئة والتنمية المستدامة لا تزال تلتزم الصمت بشكل ملحوظ. ويثير تقاعس هيئات مثل الأمم المتحدة تساؤلات مقلقة.

هل هذا الصمت مجرد حذر دبلوماسي، أم أنه يرقى إلى مستوى التواطؤ الضمني؟

في منطقة متوترة كالمنطقة النووية مثل جنوب آسيا، فإن تجاهل واقع كشمير ليس حياداً، بل هو إهمال.

إن خط سكة حديد شوبيان ليس مجرد 26 كيلومتراً من الفولاذ والخرسانة، بل هو خط فاصل بين الاحتلال والمساءلة، بين السيطرة المفروضة وحق الشعب في تقرير مصيره.

وإذا ما سُمح له بالمضي قدماً دون رادع، فإنه لن يدفن البساتين ومصادر الرزق فحسب، بل سيدفن أيضاً آمال جيل يعيش أصلاً تحت وطأة ظروف استثنائية.

يسجل التاريخ مثل هذه اللحظات بوضوح لا يرحم. فهو يشير إلى من تحرك، ومن قاوم، ومن آثر الصمت. تشهد بساتين كشمير على ذلك. أرضها تتذكر.

وأمهاتها – اللواتي ينوحن على أبنائهن الذين فقدوا برصاص الرصاص والجرافات على حد سواء – لن ينسين.

التنمية المفروضة بالقوة ليست تقدماً؛ إنها نهب. والنهب، مهما تم تبريره ببلاغة، يبقى جريمة في حق الشعب والأجيال القادمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى