
حوار: السيد التيجاني
قالت الدكتورة لُبنى فرح، الإعلامية الباكستانية والمحللة السياسية، في حوار خاص لصوت باكستان إن التحديات على الحدود بين باكستان وأفغانستان تعود إلى جذور تاريخية وعرقية معقدة، في مقدمتها الخلاف حول خط ديوراند الذي يقسم حزام البشتون ويجعل مسألة السيادة والأمن الحدودي شديدة الحساسية.
وأكدت أن عودة حركة طالبان إلى الحكم عام 2021 أدت إلى تدهور العلاقات مع إسلام آباد، خاصة مع الاتهامات الباكستانية لكابول بدعم حركة طالبان باكستان، ما فاقم الاشتباكات والتهديدات الأمنية.
وأوضحت أن عودة ملايين اللاجئين الأفغان منذ عام 2025 زادت الضغوط السياسية والأمنية على حكومة طالبان، وأصبحت ورقة ضغط تستخدمها الدول المجاورة في التعامل مع أفغانستان.
وأضافت أن البلاد تحولت إلى ساحة تنافس إقليمي ودولي بين الصين والولايات المتحدة وروسيا والهند وإيران وباكستان، لكل منها حساباته الاستراتيجية الخاصة.
وحذّرت الدكتورة لُبنى فرح من مخاطر الاعتماد المفرط على الصين، مشيرة إلى أن تجربة سريلانكا تشكل إنذاراً لباكستان في ظل تصاعد الديون والتحديات الاقتصادية، مع التأكيد في الوقت نفسه على أهمية إدارة متوازنة للعلاقة مع الولايات المتحدة رغم احتدام التنافس الأمريكي–الصيني.
وفي الشأن الهندي، قالت إن أزمة باهالغام 2025 كشفت هشاشة الردع بين الدولتين النوويتين، وأكدت أن التصعيد العسكري ليس خياراً مستداماً، وأن الاستقرار الإقليمي يتطلب معالجة سياسية شاملة لقضية كشمير. كما اعتبرت أن التقارب السعودي–التركي–الباكستاني يمثل فرصة استراتيجية لتعزيز الأمن والتعاون الدفاعي في المنطقة.
وإلى نص الحوار
■ ما أبرز التحديات الحالية على الحدود بين باكستان وأفغانستان؟
■■ تتجذر أزمة الحدود بين باكستان وأفغانستان في تعقيدات تاريخية وعرقية وجيوسياسية عميقة، لا سيما حول حزام البشتون الذي يفصله خط ديوراند، وهو خط حدودي يعود إلى الحقبة الاستعمارية ولا يزال محل نزاع. وترتبط مقاطعة خيبر بختونخوا الباكستانية ارتباطًا وثيقًا، عرقيًا وجغرافيًا، بشرق أفغانستان، مما يجعل مسألة السيطرة على الحدود والسيادة عليها بالغة الحساسية.
لعبت باكستان دورًا حاسمًا -إلى جانب الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية- في دعم حركة طالبان الأفغانية خلال الغزو السوفيتي، إلا أن العلاقات تدهورت بعد عودة طالبان إلى السلطة عام 2021.
وقد أصبح دعم كابول المزعوم لحركة طالبان باكستان، التي تصنفها باكستان منظمة إرهابية، تهديدًا أمنيًا رئيسيًا لإسلام آباد ومصدرًا رئيسيًا للاشتباكات الحدودية.
وقد أدى العودة القسرية والطوعية لملايين اللاجئين الأفغان من باكستان وإيران منذ عام 2025 إلى تكثيف الضغط على حكومة طالبان، ويُستخدم هذا الضغط كأداة سياسية وأمنية من قبل الدول المجاورة. في الوقت نفسه، أصبحت أفغانستان ساحةً للتنافس الإقليمي والعالمي بين الصين وروسيا والولايات المتحدة والهند وإيران وباكستان.
تعتبر الصين استقرار أفغانستان أساسياً لمبادرة الحزام والطريق، وتربطها علاقات وثيقة بباكستان، بينما تعزز الهند وجودها الاقتصادي والاستراتيجي في أفغانستان لمواجهة النفوذ الباكستاني. وتستغل إيران التنافسات الإقليمية لحماية مصالحها الأمنية، لا سيما في ظل التوترات الطائفية مع حركة طالبان.
في هذا السياق، تلعب السعودية والإمارات دور الوسيط لتحقيق الاستقرار، ساعيتين إلى منع التصعيد بين باكستان وأفغانستان الذي قد يزعزع استقرار جنوب ووسط آسيا ويؤثر سلباً على أمن الخليج والمنطقة ككل.
■ ما الفرص والمخاطر في التحالف مع الصين؟
■■ أطاحت انتفاضة شعبية واسعة في يوليو (تموز) بالحكومة السريلانكية، وأجبرت الرئيس على مغادرة البلاد، في حدث شكّل صدمة إقليمية رغم أن أسبابه كانت تتراكم منذ أشهر نتيجة الانهيار الاقتصادي الحاد. وقد عكست مشاهد سيطرة المحتجين على القصر الرئاسي عمق الغضب الشعبي وفقدان الشرعية السياسية، ما حوّل الأزمة من اقتصادية إلى سياسية شاملة.
انهيار سريلانكا جاء نتيجة مزيج من الارتفاع الكبير في أسعار السلع الأساسية وأزمة ديون خانقة، ما جعلها نموذجاً تحذيرياً للاقتصادات الهشّة في آسيا وخارجها.
وقد أثارت هذه التطورات قلق حكومات عديدة تواجه ضغوطاً اقتصادية مماثلة، في بيئة إقليمية تتسم بعدم الاستقرار السياسي، وتصاعد النزعات القومية، وتنامي التطرف، فضلاً عن تداعيات التوسع الاقتصادي الصيني.
تسلّط التجربة السريلانكية الضوء على مخاطر الاعتماد المفرط على التمويل الصيني، لا سيما في الدول ذات الدخل المتوسط والمنخفض. إذ تشير التقديرات إلى أن عشرات الدول، من بينها سريلانكا وجيبوتي وزامبيا ولاوس وقيرغزستان، تتحمل ديوناً للصين تتجاوز 10% من ناتجها المحلي الإجمالي.
وفي هذا السياق، تمثل الأزمة السريلانكية إنذاراً خاصاً لباكستان، التي تعتمد بشكل كبير على القروض والاستثمارات الصينية، ما يجعلها عرضة لمخاطر اقتصادية وسياسية مشابهة في حال تفاقمت أزماتها
■ كيف يمكن إدارة العلاقة مع الولايات المتحدة رغم التوترات مع الصين؟
■■ يرى خبراء السياسة الدولية أن الصين تعمل بشكل منهجي على تجاوز الولايات المتحدة كقوة عالمية رائدة، في حين تعتبر واشنطن هذا الصعود التحدي الأبرز لهيمنتها الدولية. وفي هذا السياق، تتهم بكين الولايات المتحدة بمحاولة احتواء تقدمها وعرقلته سياسياً واقتصادياً واستراتيجياً.
توصي مجموعة الأزمات الدولية بضرورة أن تنتهج الإدارة الأميركية المقبلة سياسة “تعايش قابل للتطبيق” مع الصين، تقوم على إدارة التنافس بمسؤولية، وتقليل مخاطر الانزلاق إلى صراع عسكري، والحفاظ على ركائز الاستقرار الدولي، مع التأكيد على أن الهدف ليس خوض حرب باردة جديدة أو تحقيق نصر شامل على بكين.
ومع فوز دونالد ترامب في الانتخابات الأميركية الأخيرة واستعداده لتولي إدارة السياسة الخارجية تجاه الصين، تتجه الأنظار إلى ملامح نهجه المتوقع، استناداً إلى تجربته الرئاسية السابقة. وتشير تحليلات مجموعة الأزمات إلى ثلاث سمات رئيسية لهذا النهج:
أولوية الاقتصاد والتجارة: ينظر ترامب إلى العلاقات الأميركية–الصينية من زاوية تجارية بالدرجة الأولى، مع توجه واضح لتسريع فك الارتباط الاقتصادي بين البلدين.
عقلية تفاوضية تجارية: تخضع أهدافه السياسية والاقتصادية لمنطق تحقيق توازن أكبر في العلاقات التجارية، وتقليص العجز الأميركي مع الصين.
عدم قابلية التنبؤ: يتسم سلوكه السياسي بالتقلب، إذ سبق أن اتخذ مواقف متناقضة تجاه القيادة الصينية والقضايا الاقتصادية والاستراتيجية.
وبناءً على هذه المعطيات، يرجح خبراء ومحللون تصاعد التوترات التجارية بين الولايات المتحدة والصين خلال المرحلة المقبلة، خاصة في ظل استمرار الصعود الاقتصادي الصيني، الذي يثير قلق التيارات المحافظة والدوائر الاستراتيجية الأميركية، ويعيد تشكيل ملامح التنافس الدولي في النظام العالمي.
■ كيف يمكن تحسين العلاقات مع الهند بطريقة تحافظ على مصالح باكستان؟
■■ تؤكد أزمة باهالغام في أبريل 2025 أن العلاقات الهندية–الباكستانية ما تزال من أخطر بؤر التوتر الدولي، حيث كشفت المواجهات العسكرية غير المسبوقة عن هشاشة الردع بين دولتين نوويتين، وعن محدودية جدوى التصعيد العسكري كأداة سياسية.
ورغم التفوق العددي للهند، أظهرت الأزمة تطورًا نوعيًا في القدرات العسكرية الباكستانية، بدعم صيني مباشر وغير مباشر، ما فرض على نيودلهي إعادة تقييم توازن القوى واستراتيجياتها الدفاعية.
أبرزت الأزمة تحولًا مهمًا في الموقف الهندي التقليدي الرافض للوساطة الدولية، إذ اضطرت الهند إلى قبول تدخل أمريكي لاحتواء التصعيد، ما يعكس تراجع فاعلية الحلول الثنائية في ظل تشابك الأبعاد الإقليمية والدولية للصراع. كما عمّقت الأزمة الاستقطاب الإقليمي، مع تقارب أكبر بين الهند والغرب، مقابل تعاظم الشراكة الصينية–الباكستانية.
تظل قضية كشمير جوهر الصراع، وأي استقرار مستدام يتطلب معالجة سياسية واقتصادية وأمنية متوازنة، تتجاوز المقاربة العسكرية البحتة.
وتخلص الأزمة إلى أن مستقبل السياسة الهندية تجاه باكستان سيعتمد على مزيج من تحديث القدرات العسكرية، ودبلوماسية أكثر مرونة، وإجراءات لخفض التصعيد، مع إدراك أن أي مواجهة قادمة قد تتجاوز الطرفين لتشمل قوى دولية كبرى، بما يحمله ذلك من مخاطر جسيمة على الأمن الإقليمي والدولي.
تشهد العلاقات السعودية–التركية تحسناً ملحوظاً، مع سعي الرياض وأنقرة، بالتنسيق مع إسلام آباد، لتعزيز التعاون الاستراتيجي في مواجهة التحديات الإقليمية المشتركة. انعقاد أول اجتماع للجنة الثلاثية السعودية–التركية–الباكستانية في الرياض بتاريخ 23 أغسطس 2023 يمثل خطوة مهمة نحو إنشاء تحالف محتمل يعزز التنسيق السياسي والاقتصادي والدفاعي بين الدول الثلاث، بما في ذلك الصناعات العسكرية الثقيلة والقدرات النوعية، مع الاستفادة من مكانة باكستان كدولة نووية.
تركز الاجتماع على تطوير التعاون في الصناعات الدفاعية، نقل وتوطين التقنية، والبحث العلمي، كما عُقدت اجتماعات ثنائية سعودية–باكستانية وسعودية–تركية لتعميق التنسيق في المجالات العسكرية والصناعية.
ومن شأن هذا التحالف المحتمل تعزيز الأمن الإقليمي، مكافحة التطرف، وتوسيع العلاقات التجارية والاقتصادية بين الأطراف الثلاثة.



