قصة مسارين: التحول الشامل في باكستان وانحدار الهند نحو الأغلبية

بقلم: الطاف حسين واني
شكّل موسم عيد الميلاد الأخير مرآةً جيوسياسية، إذ عكس مسار دولتين متجاورتين تسيران في اتجاهين متعاكسين تمامًا. فبينما أضاءت أضواء الاحتفالات التزامًا متجددًا بالتعددية في باكستان، ألقت بظلالها الطويلة والمُقلقة على مساحة علمانية متضائلة في الهند.
لم يكن ما شهدناه مجرد تباين في الاحتفالات، بل كشف عن نوايا الدولتين: فباكستان تسعى جاهدةً لاستعادة الرؤية الشاملة لمؤسسها القائد الأعظم محمد علي جناح، بينما تبدو الهند عازمةً على تفكيك إرثها الديمقراطي لصالح نظام أغلبية متشدد تقوده منظمة راشتريا سوايامسيفاك سانغ وفروعها.
في الهند، شابت موسم السلام حملة ترهيب ممنهجة ومنسقة ضد الأقليات الدينية. لم تكن الحوادث المقلقة التي وقعت في رايبور بولاية تشاتيسغار ونالباري بولاية آسام مجرد أعمال تخريب معزولة، بل كانت مظاهر واضحة لأيديولوجية هندوتفا المتشددة التي تعمل في ظل إفلات شبه تام من العقاب.
في رايبور، اقتحمت حشود هندوسية متطرفة حفلاً بمناسبة عيد الميلاد في مركز ماغنيتو التجاري، حيث خربوا الزينة ودمروا شجرة عيد الميلاد وروّعوا المحتفلين، بينما انتشرت مقاطع فيديو للهجوم على نطاق واسع في وسائل التواصل الاجتماعي.
وتزامنت هذه الأعمال مع دعوة للإضراب العام في ولاية تشاتيسغار بذريعة معارضة ما يسمى بـ”التحولات الدينية غير القانونية”، وهي رواية تُستخدم غالبًا لتبرير العنف ضد المسيحيين.
وبالمثل، في مقاطعة نالباري بولاية آسام، قام أعضاء من منظمة باجرانج دال، التابعة لمنظمة فيشفا هندو باريشاد، بتخريب مدرسة سانت ماري في قرية بانيغاون، وأحرقوا لافتات وملصقات كانت مُعدة للاحتفال بعيد الميلاد.
وأكدت الشرطة أن المهاجمين رفعوا شعارات دينية، وحذروا السلطات من الاحتفال بعيد الميلاد، ثم قاموا بتخريب مستلزمات الاحتفال في المتاجر المحلية، بل وأضرموا النار في بعضها بالقرب من معبد جايني. وبرر قادة باجرانج دال العنف علنًا، معلنين أن الأعياد المسيحية “غير هندية” وغير مقبولة.
يتعزز هذا المناخ من الترهيب بالتمييز المؤسسي. ففي ولاية أوتار براديش، رفضت الحكومة التي يقودها حزب بهاراتيا جاناتا منح عطلة عيد الميلاد التقليدية، وفرضت بدلاً من ذلك حضورًا إلزاميًا للمدارس في 25 ديسمبر/كانون الأول لإحياء ذكرى ميلاد رئيس الوزراء الأسبق أتال بيهاري فاجبايي، على الرغم من أن التقويم الرسمي للولاية يُدرج عيد الميلاد كعطلة رسمية.
تُرسل هذه القرارات رسالة واضحة: تهميش الأقليات الدينية من الحياة العامة.
في المقابل، قدمت باكستان سردية تصحيح مسار واعٍ. كانت الصور التي انبثقت من كراتشي ولاهور وروالبندي عميقة في رمزيتها ومضمونها. شهد موسم عيد الميلاد تلاقي أعلى قيادتين مدنية وعسكرية في البلاد في عرض موحد للتضامن مع المواطنين المسيحيين.
لم يكتفِ رئيس الوزراء شهباز شريف والرئيس آصف علي زرداري بتقديم عبارات احتفالية جوفاء، بل استحضرا صراحة المبادئ التأسيسية لمحمد علي جناح، مؤكدين أن شرعية الدولة ترتكز على حماية أقلياتها.
وبذلك، طرحت باكستان سردية مضادة في جنوب آسيا، حيث يُنظر إلى التنوع الديني لا كتهديد، بل كركيزة من ركائز التماسك الوطني.
كان حضور المشير سيد عاصم منير، رئيس أركان الجيش، في كنيسة المسيح في روالبندي، الأكثر دلالة.
ففي بلدٍ طغت فيه الخطابات الأمنية على الخطابات الاجتماعية، يُمثل إعلان القيادة العسكرية أن “قوة باكستان تكمن في تنوعها” تحولاً عقائدياً هاماً. ومن خلال الاحتفاء العلني بمساهمات الجنود والمواطنين المسيحيين، تُدمج باكستان مجتمعاتها الأقلية في صميم مفهوم الوطنية والأمن القومي.
هذا تحول استراتيجي: جهد من أعلى الهرم لترسيخ الشمولية وبناء هوية وطنية مرنة وموحدة ومتميزة عن قوى التطرف.
رغم اعتراف باكستان بصراعاتها التاريخية مع التعصب الديني والعمل الذي لا يزال يتعين القيام به، إلا أن مسارها الحالي بلا شك هو مسار إصلاح وتصحيح، وتوظف الدولة أجهزتها بنشاط لتعزيز الحماية والاندماج.
في المقابل، تنزلق الهند، التي كانت منارة العلمانية العالمية، نحو نظام استبدادي تهيمن فيه الأغلبية ولا يبقى للأقلية إلا التعايش. الاختلاف واضح: الهند منخرطة في مشروع توحيد يعتمد على السلطة عبر تفتيت المجتمع، وهي سياسة قائمة على الخوف.
بينما تنخرط باكستان في مشروع دمج مُدار يسعى لتوحيد الأمة عبر احتضان مكوناتها المتنوعة، سياسة قائمة على التماسك.
في نهاية المطاف، تُقدّم هذه الأحداث درسًا في دورة حياة الأمم. تُخاطر الهند بمكانتها العالمية وسلامها الداخلي بالسماح للغوغاء بتحديد ثقافتها.
أما باكستان، بوقوفها جنبًا إلى جنب مع مواطنيها المسيحيين، فتخطو خطوة شجاعة نحو تحقيق إمكاناتها الحقيقية. أمة تنسى وعدها العلماني، وأخرى تسعى لتذكّره.
لا يُحدّد مسار المستقبل بتحديات الماضي، بل ببنية الحاضر، وفي عيد الميلاد هذا، اختارت باكستان الكرامة، بينما اختارت الهند الانقسام.



