صلب الحقيقة: عرفان مهراج والجُرح القاتل للديمقراطية الهندية

بقلم: ألطاف حسين واني
دعونا نتجاوز الدبلوماسية المجاملة ونسمي الأمور بمسمياتها: إنها عملية صلب مدعومة من الدولة لصحفي لم تكن جريمته سوى الشهادة على الحقيقة. لأكثر من ألف يوم، ظل عرفان مهراج يفسد في سجن هندي، محتجزًا بقانون تم تحريفه ليصبح أداة للظلم المطلق.
هذا ليس مجرد “اختبار” لمصداقية الديمقراطية؛ بل هو تشريح لديمقراطية اختارت التهام مبادئها التأسيسية. في الزنازين الكريهة حيث يعاني مهراج، الجمهورية الهندية لا تُحاكم، بل تُدان بيدها نفسها.
عرفان مهراج ليس مسلحًا أو انفصاليًا؛ إنه صحفي، مهنة أصبحت في كشمير المحتلة من الهند مرادفًا للخيانة في أعين دولة تتحسس من التوثيق. كشفت تقاريره الحقائق غير المجمّلة لمنطقة النزاع: عائلات اختفت على يد قوات الأمن، العنف البنيوي ضد المجتمعات المهمشة، والاختناق البطيء للسكان تحت حضور عسكري دائم.
كانت هذه صحافة ضمير أخلاقي، وليست تخريبًا سياسيًا. ومع ذلك، كما تشير جمعية الصحفيين في كشمير، كانت “جريمته” هي الاستقلالية. في دولة تطالب بالطاعة العمياء، اختار مهراج الدقة، ولهذا السبب تم تشويه سمعته وتجريمه ودفنه في حفرة قانونية سوداء.
يتم استخدام قانون الأنشطة غير القانونية (الوقاية) الذي صُمم لمكافحة الإرهاب ضده بشكل ساخر، محوّلًا الاحتجاز إلى عقوبة قبل المحاكمة، ومسلّحًا التأخير، وجاعلاً الإفراج بكفالة شبه مستحيل. المحاكمات لا تتقدم، تاركة المتهم مدانًا بينما يُبحث عن الأدلة بلا نهاية.
الاتهامات الموجهة لمهراج ليست محل جدل؛ إنها اختراعات حقيرة، نسخة مكررة من كليشيهات “معادية للأمة” بالية لدرجة أنها ستكون مضحكة لو لم تكن قاتلة. دعاة حرية الصحافة دحضوا قضية الادعاء قانونيًا وأخلاقيًا.
لكن الغموض هو الهدف. غموض قانون UAPA هو سمه السام؛ يجرّم النية، ويجرّم الجمعيات، ويجرّم الفكر ذاته. عندما تصبح الصحافة “إرهابًا”، الدولة لا تحمي الأمن؛ إنها تحمي الإفلات من العقاب. هذا ليس تطبيقًا للقانون، بل حرب قانونية على الحقيقة.
احتجاز مهراج هو عمل محسوب من الحرب النفسية ضد كل صحفي في كشمير، وبالامتداد، ضد كل هندي يجرؤ على مساءلة السلطة. الرسالة واضحة: وثّق تجاوزات الدولة، وستُدفن.
هذه ليست مجرد رسالة تهديد، بل مناخ رعب، يخلق غولاغًا ذهنيًا حيث يصبح الرقابة الذاتية وسيلة للبقاء. على الصحفيين وزن كل كلمة، ومصدر، وقصة مقابل احتمال السجن. والنتيجة هي صحراء فكرية حيث تختفي العمليات الأمنية، والقتل في الحجز، وسياسات شبيهة بالفصل العنصري من الخطاب العام، ليس لأنها توقفت، بل لأن توثيقها أصبح جريمة كبرى.
القول بأن “الهند لا تريد الإبلاغ عن جرائم الاحتلال” ليس مبالغة؛ إنه عقيدة تشغيلية. عندما يُجرّم التوثيق، لا تكون المحاكمة للصحفي، بل لواجهة الديمقراطية الهندية.
ينتشر هذا الفيروس إلى ما وراء الصحافة. يعمل المدافعون عن حقوق الإنسان في جامو وكشمير الآن في حقل ألغام حيث يصبح النشاط الدفاعي غير قابل للتمييز عن الخيانة. التعريفات المرنة لقانون UAPA، مثل “الأنشطة غير القانونية”، “الأعمال الإرهابية”، و”دعم الإرهاب”، صممت عمداً لتجريم التضامن. محامٍ يمثل ضحية تعذيب، ناشط ينظم احتجاجًا سلميًا، باحث يجمع بيانات عن المقابر الجماعية، كلهم يصبحون “متعاطفين مع الإرهاب”، معرضين للاحتجاز التعسفي.
هذه هي عملية قطع الرأس المنهجية للمجتمع المدني. وقد أطلق المقرّرون الخاصون للأمم المتحدة تحذيرات تتردد في الفراغ، حيث يُقابل تحذيرهم بالازدراء. عندما يُسجن المدافعون بتهم ملفقة، تنهار بنية المساءلة بالكامل. يُترك الضحايا لمُعذّبيهم، وتُمحى الانتهاكات من التاريخ، ويصبح الإفلات من العقاب هو المبدأ الحاكم الوحيد. الدولة لا تصمت المعارضة فقط؛ بل تقطع قدرة المجتمع على تسجيل الظلم نفسه.
مطالبة جمعية الصحفيين في كشمير بالإفراج الفوري عن مهراج ليست عريضة، بل إنذار غير قابل للتفاوض لجمهورية تتأرجح نحو السلطوية. حكم القانون ليس بوفيه يمكن للدول اختيار الحماية الدستورية التي تعجبها وتجاهل الباقي.
إما تقديم أدلة موثوقة في محاكمة سريعة وعادلة، أو استعادة الحرية فورًا. فشل الدولة في أي منهما يكشف حقيقة مروعة: لا توجد أدلة، ولم تكن موجودة أبدًا، والمحاكمة نفسها هي العقوبة.
المكانة العالمية للهند، التي لطالما تلوثت بالمجازر والقتل الجماعي وتدمير استقلال المؤسسات، تغرق أكثر في الفضيحة مع كل يوم يبقى فيه عرفان مهراج محبوسًا. الديمقراطية الأكبر في العالم تتحول بسرعة إلى أكبر سجن للضمير البشري. القوة الديمقراطية لا تُقاس بقدرة سحق المعارضة، بل بالشجاعة لتحمّل التدقيق؛ الدولة الواثقة ترحب بالمساءلة، بينما الدولة الخائفة تصنع الخيانة لتجنبها.
قضية عرفان مهراج ليست لغزًا قانونيًا معقدًا، بل reckoning أخلاقي صارخ. تمديد احتجازه يعني التخلي عن أي ادعاء بالحكم الدستوري في كشمير وإعلان المنطقة كمختبر استعماري تُعلق فيه الحقوق وتصبح القوانين مرنة بلا حدود. إسكات الصحفي لا يمحو الحقيقة، بل يكشف اليأس من إخفائها. المقابر الجماعية، الأطفال المكفوفون، الاختفاء القسري، والشوارع الملطخة بالدماء لا تختفي بالسجن. بل تتحول إلى لائحة اتهام تاريخية.
يجب على الهند أن تختار: إما إطلاق سراح مهراج ومواجهة المعارضة، أو الاستمرار في هذه المهزلة وتُذكر كجمهورية انتحرت قانونيًا.



