حق تقرير المصير: من قرارات الأمم المتحدة إلى المسؤولية الحقيقية

بقلم: نزار أحمد ثاكور
لا يمكن للأمم المتحدة استعادة سلطتها الأخلاقية والوفاء بولايتها في صون السلم والأمن الدوليين إلا من خلال تطبيق القانون بشكل موحد. وبدون هذا الحزم، سيظل مبدأ تقرير المصير مؤكداً على الورق
ولكنه منكر عملياً، مما يسمح للنزاعات العالقة بالتفاقم وتقويض أسس النظام الدولي الذي أنشئت الأمم المتحدة لحمايته.
أكدت الجمعية العامة للأمم المتحدة مجدداً أحد أهم مبادئ القانون الدولي: حق الشعوب في تقرير مصيرها. فمن خلال قرار مدعوم من باكستان، تم تبنيه بالإجماع
وأوصت به اللجنة الثالثة للجمعية، أكدت الأمم المتحدة مجدداً أن الشعوب التي تعيش تحت الاحتلال الاستعماري أو الأجنبي تحتفظ بحقها غير القابل للتصرف في تقرير مستقبلها السياسي.
مع أن هذه القرارات ليست جديدة، إلا أن أهميتها تكمن في الرسالة السياسية التي تحملها وتنقلها عبر الحدود السياسية. ومع ذلك، جاء إعادة تأكيد هذا المبدأ المعترف به عالمياً في وقتٍ يتم فيه تطبيع الاحتلال والضم والهندسة الديموغرافية تحت ستار السيادة والأمن.
يؤكد تأييد الجمعية العامة أن حق تقرير المصير ليس تنازلاً تمنحه قوى الاحتلال، بل هو مبدأ أساسي منصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي ومعاهدات حقوق الإنسان.
ويحمل هذا التأكيد صدىً عميقاً لدى شعوب كشمير وفلسطين المحتلتين من قبل الهند.
فقد امتد نضالهم من أجل تقرير المصير لعقود، اتسم بالتشريد والقمع والحرمان الممنهج من حقوقهم وحرياتهم الأساسية. وبعد أن فقدوا ثلاثة أجيال في هذا الصراع، ما زالوا ينشؤون تحت الاحتلال العسكري، حيث تُسحق تطلعاتهم للحرية تحت وطأة القمع، إلا أن عزيمتهم على تحقيق العدالة وتقرير المصير تبقى راسخة.
في جامو وكشمير المحتلة من قبل الهند، يُقمع التعبير السياسي تدريجياً من خلال العسكرة المطولة والتلاعب القانوني والتغييرات الديموغرافية المفروضة بعد الإلغاء الأحادي للوضع الخاص للمنطقة عام 2019. وبالمثل، في فلسطين، يستمر التوسع الاستيطاني وسياسات الضم والتهجير القسري للمجتمعات في انتهاك صارخ للقانون الدولي.
وفي كلتا الحالتين، يبقى وعد تقرير المصير المنصوص عليه في قرارات الأمم المتحدة غير مُحقق.
مع أنّه من الواضح أن قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الأخير هذا لن يُحقق على الأرجح راحة فورية للشعوب التي تعيش تحت الاحتلال الأجنبي، إلا أنه لا ينبغي الاستهانة بأهميته. فالحقيقة المُرّة هي أنه بدون إنفاذ فعّال أو مساءلة، ظلت هذه القرارات لفترة طويلة مجرد بيانات أخلاقية وليست أدوات للتغيير الملموس.
ومع ذلك، حتى كرموز، فهي ذات أهمية، إذ تُؤكد على المعايير القانونية التي غالباً ما تسعى قوى الاحتلال إلى تجاهلها أو إعادة تفسيرها.
يُشكّل هذا القرار تذكيراً واضحاً بأنّ السلام الدائم والاستقرار العالمي لا يُمكن تحقيقهما بقمع التطلعات السياسية المشروعة. لقد أثبت التاريخ مراراً وتكراراً أنّ حرمان الشعوب من حقّها في تقرير مصيرها لا يحلّ النزاعات، بل يُعمّقها ويُلحق معاناةً لا تُوصف بالناس العاديين.
إنّ الاستقرار المفروض بالإكراه ليس دائماً ولا عادلاً؛ فالسلام الحقيقي لا يُبنى إلا على العدل والحقوق ورضا المحكومين.
كما يعكس تحرك الجمعية العامة قدراً من التضامن الدولي مع الشعوب المضطهدة التي تواصل مقاومة الهيمنة رغم الصعاب الجمة. وهو يُقرّ بصمودها ويؤكد أن نضالها ليس شأناً داخلياً يُدفن تحت وطأة ادعاءات السلامة الإقليمية، بل هو قضية دولية متجذرة في مبادئ عالمية.
إلا أن التضامن دون مساءلة بات نقطة الضعف الرئيسية في النظام الدولي. فحق تقرير المصير ليس رمزياً ولا اختيارياً، بل هو التزام ملزم بموجب ميثاق الأمم المتحدة،
وركن أساسي من أركان السلام والأمن الدوليين. ويعكس التأكيد المتكرر عليه من خلال قرارات الجمعية العامة ومجلس الأمن فهماً عالمياً بأن السلام الدائم لا يمكن بناؤه على الاحتلال أو الإنكار أو الإكراه.
إن الفشل المستمر في تنفيذ هذه القرارات قد غذّى بشكل مباشر الصراعات المطوّلة، والعنف المتكرر، والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. فعندما يُؤكَّد القانون الدولي دون إنفاذه، فإنه يفقد وظيفته كقانون، ويصبح مجرد كلام، يلجأ إليه الضحايا المساكين بينما يتجاهله المنتهكون دون عقاب.
يتجلى هذا النقص في المساءلة بوضوح في سلوك قوى الاحتلال كالهند وإسرائيل. فقد دأبت كلتاهما على تقويض ولايات الأمم المتحدة، وإعادة صياغة الالتزامات القانونية الواضحة في صورة نزاعات جيوسياسية معقدة، وحجبتا أفعالهما وراء تحالفات استراتيجية.
وبذلك، حوّلتا مبدأً قانونياً بسيطاً، ألا وهو حق الشعوب في تقرير مصيرها، إلى أزمة إنسانية وسياسية طويلة الأمد.
إن عواقب هذا التطبيق الانتقائي للقانون الدولي واضحة لا لبس فيها. فعندما يُسمح للدول القوية بتجاهل قرارات الأمم المتحدة دون عقاب، يصبح الاحتلال أمراً طبيعياً وتُجرّم المقاومة.
وللأسف، يعكس العالم الذي نراه اليوم نظاماً عالمياً يُطوّع فيه الأقوياء القواعد لمصالحهم، ويُضحّى بالعدالة في كثير من الأحيان على مذبح المصالح الجيوسياسية. ولإحداث تغيير حقيقي، لا بد من عكس هذا المسار، وتقع مسؤولية قيادة هذا التغيير على عاتق الأمم المتحدة وأقوى حكومات العالم.
لم تعد مجرد إبداء القلق والقرارات الدورية كافية. المطلوب هو إرادة سياسية مستدامة: آليات رصد موثوقة، وعواقب رادعة للانتهاكات، وضغط دبلوماسي منسق لإجبار قوى الاحتلال على الالتزام بالقانون الدولي والانخراط في حل حقيقي للنزاعات، بدلاً من التشبث بنهج الوضع الراهن الذي لا يزال يلحق أضراراً جسيمة بالدول والمجتمعات المضطهدة.
لسوء الحظ، لا يمكن للدول التي تدّعي دعم نظام دولي قائم على القواعد أن تغض الطرف عن انتهاكات حلفائها بينما تدين نفس الأفعال في أماكن أخرى. هذه المعايير المزدوجة لا تُرسّخ الاستقرار، بل تُقوّض مصداقية النظام الدولي وتشجع على المزيد من التجاوزات.
لطالما علّقت الدول المستعمرة والمضطهدة آمالها على الأمم المتحدة، معتقدةً أن أعلى هيئة دولية، بصفتها حامية السلام والأمن، ستُقدّم لها العون وتُساعدها في ضمان حقوقها.
ومع ذلك، فمن المؤسف أن الأمم المتحدة أصبحت هيئةً عاجزةً، تفتقر إلى السلطة اللازمة للتحرك ضد من ينتهكون القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة بوقاحة.
إذا أرادت الأمم المتحدة الحفاظ على أهميتها، فعليها أن تتجاوز مجرد إعادة التأكيد إلى إنفاذها. وإذا أرادت السلام أن يدوم، فلا بد أن يكون متجذراً في العدالة. وإذا أرادت لحق تقرير المصير أن يكون له أي معنى،
فلا بد من الدفاع عنه ليس فقط في القرارات، بل من خلال إجراءات حاسمة. يجب محاسبة أي دولة ترفض منح شعبها حقه الأصيل، وهو حق تقرير المصير. ينبغي أن تواجه هذه الدول عواقب وخيمة: يجب وضع آلية واضحة لشطبها من قائمة الأمم المتحدة، أو على الأقل، ينبغي للأمم المتحدة تعليق برامج مساعداتها في تلك الدول إلى حين وفائها بالالتزامات التي تعهدت بها.
وحتى ذلك الحين، بالنسبة لملايين الأشخاص الذين يعيشون تحت الاحتلال في كشمير المحتلة وفلسطين وغيرها، يبقى وعد الاستفتاء والحق في تشكيل مستقبلهم السياسي مجرد كلام أجوف، يُقال بقوة في قاعات الأمم المتحدة، ولكنه يُحرم بلا رحمة من هم الأكثر أهمية.
خلاصة القول: لا سبيل للأمم المتحدة لاستعادة سلطتها الأخلاقية والوفاء بولايتها في صون السلم والأمن الدوليين إلا من خلال تطبيق القانون بشكل موحد. فبدون هذا الحزم، سيبقى مبدأ تقرير المصير مُؤكداً على الورق ولكنه مُنكر عملياً، مما يسمح للنزاعات العالقة بالتفاقم وتقويض أسس النظام الدولي الذي أُنشئت الأمم المتحدة لحمايته.



