
في يونيو 2023، اغتيل الناشط السيخي الكندي هارديب سينغ نيجار خارج معبده في مدينة سوري بمقاطعة بريتيش كولومبيا. كان نيجار من أبرز المدافعين عن حقوق السيخ في المهجر وناقدًا صريحًا للسياسات الهندية تجاه الأقلية السيخية في الهند.
اغتياله فجّر أزمة دبلوماسية بين كندا والهند، مع اتهامات مباشرة بأن العملية كانت بإشراف الدولة الهندية.
الاغتيال أثار مخاوف واسعة حول الأمن الشخصي للمعارضين السياسيين في المهجر، وطرح تساؤلات حول مدى التهديد الذي يمكن أن تشكله العمليات الاستخباراتية الخارجية على أراضي الدول الأخرى.
وصف خبراء الأمن الدولي الحادث بأنه مثال صارخ على “التدخل المباشر للدولة في شؤون الغير عبر أساليب سرية”، مؤكدين أن هذه العمليات يمكن أن تؤدي إلى أزمات دبلوماسية طويلة الأمد.
بعد عدة أشهر من الحادث، أفادت مصادر استخباراتية بريطانية بأن محادثات اعترضتها وكالة الاتصالات البريطانية (GCHQ) تضمنت أفرادًا يُعتقد أنهم مرتبطون بالحكومة الهندية.
وناقشت استهداف نيجار وناشطين آخرين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة. المحللون البريطانيون وصفوا العملية بأنها “يحتمل أن تكون بإشراف الدولة الهندية”، وهو ما دفع المملكة المتحدة لإبلاغ كندا بالملف الاستخباراتي في يوليو 2023.
الملف، الذي لم يذكر أسماء القتلة، احتوى على تحليلات لمحادثات اعترضتها المخابرات البريطانية، مشيرًا إلى وجود صلة محتملة بين العملية ووكالات هندية رسمية.
مستشارة الأمن القومي والاستخبارات الكندية جودي توماس أطلعت رئيس الوزراء جاستن ترودو على التفاصيل، ما أثار سلسلة من الإجراءات والتحقيقات المكثفة داخل كندا.
وفقًا للتقارير، الملف البريطاني شمل معلومات حول المؤامرات التي استهدفت أيضًا جورباتوانت سينغ بانون في نيويورك وأفتار سينغ خندا في المملكة المتحدة.
بينما توفي خندا لأسباب طبية رسمية، اعتبرت عائلته وحقوقيون كنديون أن ظروف وفاته تستدعي مزيدًا من التحقيق. بانون كان هدفًا لمؤامرة قتل في الولايات المتحدة، والتي تم إحباطها بعد اعتقال مواطن هندي يُدعى نيخيل غوبتا، الذي زُعم أنه عمل بتوجيهات ضابط مخابرات هندي سابق.
الملف البريطاني، كما أفادت وكالة بلومبرغ، تم تسليمه شخصيًا إلى منشأة حكومية آمنة في أوتاوا وفق شروط صارمة فرضتها لندن، ما يعكس حساسية المعلومات وخطورتها على العلاقات الدبلوماسية. تم الإبلاغ عن الملف للجهات القضائية الكندية، لكن لم تبدأ بعد المحاكمات المتعلقة بمقتل نيجار.
البعد السياسي والدبلوماسي
الواقعة وضعت العلاقات الكندية‑الهندية على حافة التوتر، حيث رفضت الهند الاتهامات واعتبرتها “سياسية الدافع”.
بينما شددت كندا على حقها في حماية مواطنيها ومحاسبة المسؤولين عن أي تهديدات مباشرة. المملكة المتحدة، كعضو في تحالف “العيون الخمس”، لعبت دورًا محوريًا في تسليم المعلومات، ما يعكس أهمية التعاون الاستخباراتي الدولي لكنه يوضح أيضًا التحديات المرتبطة بالشفافية والحدود القانونية.
القضية كشفت فجوة كبيرة بين مصالح الدولتين: كندا ترى انتهاكًا لسيادتها، بينما تعتبر الهند أن نشاط السيخ في المهجر يشكل تهديدًا لأمنها الداخلي. هذه الأزمة قد تؤثر على التعاون التجاري والأمني بين البلدين، وتفتح نقاشًا حول حدود التدخل السيادي في شؤون الدول الأخرى.
خبراء العلاقات الدولية وصفوا الحادث بأنه “نقطة فاصلة” في السياسة الخارجية الهندية تجاه الشتات السيخي. التحليل السياسي يشير إلى أن الهند قد استخدمت أساليب سرية لمراقبة أو حتى استهداف المعارضين.
وهو ما يضع كندا في موقف حساس بين حماية حقوق مواطنيها والحفاظ على العلاقات الاستراتيجية مع الهند.
من جانبها، الصحافة الكندية وسلطات الهجرة أكدت أن هذا النوع من العمليات يمثل تهديدًا للسلامة العامة ويؤكد على الحاجة إلى بروتوكولات واضحة لحماية المعارضين السياسيين في المهجر.
الأبعاد الحقوقية والأمنية
الحادث أثار تساؤلات حقوقية كبيرة حول اغتيال الدولة خارج حدودها، وهو ما يُعد انتهاكًا للقانون الدولي وحقوق الإنسان. حقوقيون كنديون طالبوا بالكشف الكامل عن الأدلة، مؤكدين أن الاعتماد على المعلومات الاستخباراتية وحدها لا يكفي للإدانة.
من الناحية الأمنية، يوضح الحادث كيف يمكن أن تتجاوز أجهزة الاستخبارات حدودها التقليدية، ما يزيد المخاطر على الدول المستضيفة ويستدعي مراجعة للسياسات الدولية في التعامل مع العمليات الاستخباراتية العابرة للحدود.
المحللون يرون أن القضية قد تشكل سابقة قانونية مهمة، تحدد مسؤولية الدول عن عملياتها خارج أراضيها، وتؤثر على ديناميكيات التعاون الأمني والدبلوماسي مستقبلاً.
حقوقيون أكدوا أن اغتيال نيجار مثال على “الاضطهاد السياسي العابرة للحدود”، وهو ما يمكن أن يشكل خطراً على حرية التعبير والمعارضة السلمية داخل المجتمعات المقيمة في الشتات. بينما ترى كندا أنه لا بد من التحقيق القضائي الشامل، يرى خبراء الأمن أن الحد من تأثير هذه العمليات يتطلب تعزيز آليات المراقبة والتعاون الاستخباراتي الدولي وفق قواعد واضحة.
قضية نيجار تبرز الحاجة إلى معايير دولية أكثر صرامة لمساءلة الدول عن أعمالها خارج أراضيها. في الوقت نفسه، يشير الخبراء إلى أن تسريب المعلومات الاستخباراتية أو نشرها بدون إطار قانوني دقيق قد يؤدي إلى تصعيد دبلوماسي غير متوقع.
ردود الفعل والتداعيات المستقبلية
مجتمع السيخ في المهجر رحب بالملف البريطاني، معتبرًا أنه يؤكد تورط الهند. العديد من المنظمات الحقوقية دعت المجتمع الدولي لممارسة الضغط على الهند لإجراء تحقيق شفاف، ومحاسبة أي أطراف متورطة.
المحللون الأمنيون والدبلوماسيون يحذرون من الاعتماد فقط على المعلومات الاستخباراتية، مؤكدين أهمية التحقيق القضائي المستقل لضمان الشفافية.
كما يرون أن القضية قد تؤدي إلى توتر طويل الأمد بين كندا والهند، وقد تؤثر على التعاون في المجالات التجارية والاستثمارية، وتضعف التنسيق الأمني.
تحليل سياسي أشار إلى أن القضية قد تشكل معيارًا مستقبليًا لتحديد مسؤولية الدول عن تدخلاتها الخارجية. بينما ترى الهند أن ممارساتها تهدف إلى حماية مصالحها الوطنية، تؤكد كندا على حقها في حماية مواطنيها من التهديدات العابرة للحدود.
في النهاية، حادثة نيجار تبرز صراعًا بين السيادة الوطنية، حقوق الإنسان، والأمن الدولي. كندا ترى انتهاكًا للسيادة وحماية لمواطنيها، بينما تعتبر الهند أن مصالحها وأمنها مهددان.
الأزمة تعيد التأكيد على ضرورة وجود قواعد واضحة للتحقيق الدولي في العمليات الاستخباراتية العابرة للحدود، وتضع المجتمع الدولي أمام تحدٍ مستمر لضمان العدالة وحماية المعارضين السياسيين في المهجر.



