
تشهد الساحة الإقليمية تصاعدًا في الخطاب السياسي والإعلامي عقب تصريحات وزير الدفاع الهندي الأخيرة بشأن السند، وما تبعها من ردود فعل داخل باكستان وخارجها.
وبين هذه الردود، برز موقف منظمة السيخ من أجل العدالة (SFJ) وزعيمها غارباتوانت سينغ بانو، الذي عبّر عن رفض ما وصفه بـ”استغلال المجتمع السيخي” ودعا إلى مواقف مغايرة تجاه السياسات الهندية.
ورغم أن هذه التصريحات أثارت جدلًا واسعًا، فإنها فتحت أيضًا بابًا لنقاش أعمق حول مستقبل العلاقة بين المجتمعات السيخية في العالم والهند، وحول انعكاسات التوتر المتصاعد على الأمن الإقليمي.
في هذا التقرير، نعرض ما ورد من تصريحات، ونرصد ردود الفعل المختلفة، ونقدم تحليلات عدد من الخبراء في شؤون جنوب آسيا والأقليات، دون تبنّي أي دعوات أو مواقف سياسية أو عسكرية منسوبة للجهات المذكورة.
خلفية التصريحات وتصاعد التوتر الإقليمي
أفادت تقارير إعلامية منسوبة إلى كشمير للخدمات الإعلامية أن زعيم منظمة “السيخ من أجل العدالة”، غارباتوانت سينغ بانو، أصدر بيانًا حاد اللهجة رفض فيه ما وصفه بمحاولات الحكومة الهندية “جرّ المجتمع السيخي إلى مواجهة مع باكستان”.
ودعا بانو وفق ما نُسب إليه إلى “فتح باب تطوع السيخ” للدفاع عن السند، في حال تعرض المنطقة لتهديدات خارجية.
هذه المواقف جاءت عقب تصريحات لوزير الدفاع الهندي بشأن إمكانية “استعادة السند”، وهي التصريحات التي أثارت ردود فعل قوية داخل باكستان، بما في ذلك إدانة رسمية من الجمعية الوطنية.
وبحسب الرواية المنشورة، طالب بانو الجيش الباكستاني بفتح باب تجنيد خاص للمتطوعين السيخ، وتشكيل “وحدة دفاع سيخية”. كما أشار إلى أن آلاف المتطوعين السيخ حول العالم سيكونون – وفق تعبيره”مستعدين للتسجيل فور إعلان البروتوكول الرسمي”.
ردود فعل داخلية في الهند
ثمة أصوات داخل الهند رأت في هذه التصريحات امتدادًا لتحركات سياسية سابقة لمنظمة SFJ التي تُصنفها الحكومة الهندية كمنظمة انفصالية.
مسؤولون سابقون في وزارة الداخلية الهندية اعتبروا في تصريحات صحفية أن هذه التحركات تأتي في سياق “صراع طويل” بين الحكومة المركزية وبعض الجماعات السيخية الناشطة خارج الهند.
ويقول خبير الأمن الهندي، البروفيسور أرفيند ساهني، إن هذه الدعوات “لا تمثل المجتمع السيخي داخل الهند”، وإنه “لا يوجد دليل على وجود استجابة داخلية لها”. لكنه يعترف بأن تصاعد التوتر يخلق مناخًا قد تستغله مجموعات محظورة لتضخيم نفوذها.
ردود فعل أولية داخل باكستان
في باكستان، لم يصدر تعليق رسمي مباشر على الدعوة المنسوبة لبانو. لكن محللين باكستانيين أشاروا إلى أن الحكومة “تدرك حساسية توظيف الأبعاد الدينية أو الطائفية في أي صراع”، وأنها “لن تتعامل مع مثل هذه الدعوات إلا في إطار القانون والعلاقات الدولية”.
الباحث في الشؤون الاستراتيجية أمير حامد يرى أن باكستان “لن تنخرط في أي إجراءات توسع التوتر الطائفي أو العرقي”، مضيفًا أن “التصريح يعكس رسالة سياسية أكثر من كونه خطة قابلة للتطبيق”.
موقف الخبراء: بين الرمزية السياسية وتعقيد الواقع
الدعوة بين خطاب سياسي ومحدودية التطبيق
يرى المتخصصون في شؤون الأقليات أن خطاب منظمة “السيخ من أجل العدالة” يتسم غالبًا بطابع رمزي سياسي يهدف إلى إثارة قضية “حقوق السيخ” في الهند. ويشير الدكتور فريدون سينغ دهلوي، الباحث في دراسات السيخ الحديثة، إلى أن المنظمة “معروفة بأنها تستخدم الخطاب العالي لإبراز مظالم تاريخية”، لكن “الواقع الميداني أكثر تعقيدًا بكثير من مجرد إطلاق دعوات للتجنيد”.
ويضيف:”السيخ يعيشون في طيف واسع من الانتماءات، من المواطنين الهنود الذين يؤيدون الدولة إلى جماعات تعيش في الخارج وتتبنى مواقف احتجاجية أو انفصالية. لا يمكن اعتبار تصريح واحد ممثلًا لملايين السيخ.”
العامل التاريخي في علاقة السيخ بالدولة الهندية
التوتر بين الحركة السياسية السيخية والدولة الهندية ليس جديدًا. فقد شهدت الثمانينيات صراعًا داميًا في البنجاب، وما زالت ذكرى عملية “النجم الأزرق” وحوادث 1984 تلقي بظلالها على جزء من الخطاب السيخي الخارجي.
ويرى الباحث الباكستاني ظفر إقبال أن “بعض الجماعات السيخية الخارجية توظّف هذه الذاكرة لتبرير مواقفها السياسية”، لكن “الواقع داخل الهند تغيّر بصورة كبيرة منذ ذلك الحين، ولم يعد المجتمع السيخي كتلة واحدة”.
العامل الدولي: جاليات سيخية مؤثرة
أحد أبرز الجوانب التي يلفت إليها المحللون هو وجود جاليات سيخية كبيرة ونشطة في المملكة المتحدة وكندا وأستراليا والولايات المتحدة.
هذه الجاليات تلعب دورًا سياسيًا مؤثرًا، خصوصًا في كندا وبريطانيا، حيث أصبحت قضايا السيخ جزءًا من النقاش السياسي.
ويرى خبير العلاقات الدولية جيمس هاربر أن دعوة بانو – إن صحت – “تؤكد استمرار التوتر بين بعض الجاليات السيخية الخارجية والهند”، لكنه يؤكد أن “الدعوات للتجنيد عبر الحدود لا تجد دعمًا حكوميًا في أي دولة غربية”.
ردود فعل المجتمع السيخي والجانب الحقوقي
أصوات سيخية تدعو للتهدئة
إلى جانب الأصوات الحادة، ظهرت مواقف سيخية معتدلة تحذر من تصعيد الخطاب بين الهند وباكستان. وقالت منظمات سيخية في كندا في بيانات منفصلة إن “السيخ يجب ألا يُستدرجوا إلى صراعات عسكرية”، وإن أي خلاف يجب أن يُحل “عبر الحوار السياسي وليس عبر تعبئة جماهيرية”.
كما صرّح الزعيم السيخي الكندي جسوانت سينغ دهيسي بأن “استدعاء السيخ إلى صراع مسلح لا يخدم مصالحهم كأقلية دينية تسعى للعيش بسلام”، مؤكدًا أن “السيخ عبر التاريخ اشتهروا بالدفاع عن المظلومين، لا بخوض حروب بالنيابة عن دول”.
الجانب الحقوقي: حق الرفض والضمير
نُقل عن بانو قوله إن “القوانين الدولية تتيح للجندي رفض المشاركة في حرب مخالفة لضميره”.
ويعلق الخبير القانوني نصير خان بأن هذا المبدأ صحيح من حيث الجوهر،
لكنه يوضح:”القانون الدولي يتحدث عن حق الاستنكاف الضميري، لكنه لا يمنح أي فرد الحق في الانضمام إلى قوات دولة أخرى على أساس ديني أو سياسي. هذا يدخل في نطاق قوانين الدول المعنية، لا في نطاق القانون الدولي العام.”
ويشير محللون آخرون إلى أن هذا الجانب من الخطاب “أقرب إلى توظيف المبادئ الحقوقية في سياق سياسي” أكثر مما هو تفسير دقيق للقانون الدولي.
التصريحات المنسوبة لغارباتوانت سينغ بانو تمثل تطورًا لافتًا في سياق العلاقات المتوترة بين الهند وبعض الجماعات السيخية الناشطة خارج البلاد. لكنها في الوقت نفسه، لا تعكس موقفًا موحدًا للمجتمع السيخي، ولا يبدو أنها تحظى بتأييد رسمي أو دولي.
وبينما يرى بعض المحللين أن هذه الدعوات تحمل طابعًا رمزيًا وسياسيًا أكثر من كونها دعوات عملية قابلة للتنفيذ، يرى آخرون أنها تعكس تصاعدًا في التوتر الديني-السياسي في ظل احتدام الخلافات الهندية-الباكستانية.
ومع ذلك، يظل العامل الحاسم في مثل هذه القضايا هو المواقف الرسمية للدول، التي عادة ما تتجنب الانخراط في أي خطوات قد تُفسَّر كتصعيد عسكري أو طائفي.
وفي ظل الوضع الراهن، يبدو أن القضية ستظل في إطار التصريحات والمواقف الإعلامية، بينما تبقى الحاجة ملحة إلى تهدئة الخطاب بين الأطراف لتجنب مزيد من التوتر في منطقة تعاني أصلًا من هشاشة أمنية وسياسية.



