باكستان تنضم لأسطول الصمود نحو غزة: رسالة تحدٍ في بحر الخطر

في مشهد يعيد إلى الأذهان محاولات “أسطول الحرية” عام 2010، أعلن السيناتور الباكستاني السابق عن الجماعة الإسلامية، مشتاق أحمد خان، أنه سيقود وفداً باكستانياً ضمن أسطول الصمود العالمي المتجه إلى قطاع غزة.
الإعلان جاء عبر منشورات على حساباته على وسائل التواصل الاجتماعي يوم الجمعة، مؤكداً أن “الأسطول يمثل أكبر مهمة إنسانية مدنية في التاريخ”.
خلفية المشاركة الباكستانية
القضية الفلسطينية لطالما احتلت موقعاً بارزاً في وجدان الشارع الباكستاني، إذ ينظر إليها كقضية أمة وهوية أكثر منها ملفاً خارجياً. منذ عقود، ترفض إسلام آباد الاعتراف بإسرائيل،
وتقدم دعماً سياسياً للفلسطينيين في المحافل الدولية. انضمامها إلى الأسطول الجديد يأتي في وقت تواجه فيه البلاد أزمات داخلية، لكنه يعكس – وفق محللين – محاولة لإبراز تمسّكها بالبعد الأخلاقي والديني.
وفق ما نشره منتدى باكستان-فلسطين على إنستغرام مطلع الشهر، فإن باكستان ستشارك ضمن تحالف “صمود نوسانترا”، الذي يضم وفوداً من ماليزيا، إندونيسيا، الفلبين، بنغلاديش، وجزر المالديف.
ملامح الأسطول
الموقع الإلكتروني لأسطول الصمود يصفه بأنه “تحالف غير عنيف يضم سفناً مدنية صغيرة تنطلق من موانئ في البحر المتوسط لكسر الحصار الإسرائيلي”.
ووفق ما نقل موقع Dawn.com الباكستاني عن خان، فإن القافلة تضم أكثر من 100 سفينة من 50 دولة، ستلتقي في عرض المتوسط قبل التوجه إلى غزة.
وكالة رويترز أكدت أن عشرات السفن ستغادر من إسبانيا وتونس محمّلة بالمساعدات الإنسانية. ومن بين المشاركين شخصيات بارزة مثل الناشطة السويدية غريتا ثونبرغ والسياسية البرتغالية ماريانا مورتاغوا، ما يضفي بعداً عالمياً على المبادرة.
تصريحات خان
في مقابلة مع موقع Dawn.com، أوضح السيناتور السابق أن الوفد الباكستاني سيبدأ تدريبات في تونس من 1 إلى 3 سبتمبر، على أن ينطلق في الرابع من الشهر نفسه.
وأكد أن “المهمة قانونية وسلمية”، مضيفاً: “سنسافر عبر المياه الدولية ثم ندخل المياه الفلسطينية، نحن نحمل فقط الطعام والماء”.
خان أشار أيضاً إلى التحديات البيروقراطية، إذ وصل وحده إلى تونس بينما يواجه باقي أعضاء الوفد صعوبات في الحصول على التأشيرات.
وكتب على فيسبوك أنه التقى السفير الباكستاني في تونس الذي وعد بتقديم “التعاون الكامل”.
السيناريوهات المحتملة
خان لخّص الاحتمالات بثلاثة:
1. الوصول إلى غزة وكسر الحصار، وهو الهدف المثالي.
2. الاعتقال والترحيل، وهو ما واجهته سفينتا “حنظلة” و”مادلين” التابعتان لتحالف أسطول الحرية في محاولات سابقة.3. الاستهداف العسكري، مستشهداً بهجوم البحرية الإسرائيلية عام 2010 على سفينة “مافي مرمرة”، الذي أسفر عن مقتل عشرة ناشطين أتراك.
وقال: “نحن نعرض أنفسنا للخطر حتى يوجّه العالم أنظاره إلى غزة ويتحرك لوقف الإبادة الجماعية”.
السياق الإنساني
وزارة الصحة الفلسطينية أعلنت أن الغارات الإسرائيلية منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 أسفرت عن مقتل أكثر من 63 ألف شخص وإصابة نحو 158 ألفاً. أما الأمم المتحدة،
فقد حذرت الأسبوع الماضي من أن غزة تواجه “كارثة إنسانية غير مسبوقة”، مع استمرار منع دخول المساعدات الكافية.
ردود الأفعال
في باكستان: لاقت الخطوة ترحيباً من أنصار الجماعة الإسلامية ومنظمات المجتمع المدني، باعتبارها “موقفاً مشرفاً”،
بينما اعتبر بعض المراقبين أن “الخطوة رمزية أكثر منها عملية”، محذرين من “استفزاز غير محسوب لإسرائيل”.
في العالم العربي: لاقت المبادرة تفاعلاً شعبياً واسعاً عبر منصات التواصل، لكن التفاعل الرسمي ظل محدوداً، باستثناء تونس التي تستضيف انطلاق جزء من القافلة.
في الغرب: انقسمت المواقف؛ فمنظمات حقوقية دعمت، بينما اعتبرت وسائل إعلام إسرائيلية أن الأسطول “استفزاز سياسي يهدف لتشويه صورة إسرائيل”.
أبعاد قانونية وسياسية
على المستوى القانوني، يتمسك المشاركون بأن الرحلة مشروعة لأنها لا تخرق المياه الإقليمية الإسرائيلية. لكن إسرائيل تصر على أن أي دخول لغزة دون موافقتها “تهديد لأمنها”.
هنا، يبرز التناقض بين القانون الدولي الإنساني الذي يجرّم الحصار الجماعي، وواقع القوة العسكرية الإسرائيلية التي لا تتردد في منعه بالقوة.
يرى مراقبون أن نجاح المبادرة يتطلب:
توثيق مباشر للأحداث عبر البث الحي لتشكيل ضغط عالمي بالإضافة إلى توسيع التحالفات القانونية والدبلوماسية لإجبار إسرائيل على فتح ممر إنساني دائم فضلا عن مشاركة أطراف رسمية، ولو بصفة مراقبين أمميين، لتقليل احتمالات العنف.
الأسطول الجديد ليس مجرد قافلة مساعدات، بل هو امتحان لإرادة الشعوب أمام منظومة دولية تبدو عاجزة عن كبح آلة الحرب. بالنسبة لباكستان، فإن المشاركة – حتى عبر وفد مدني صغير – تمثل رسالة واضحة: “القضية الفلسطينية ما زالت في قلب أولوياتها”.
لكن يبقى السؤال: هل ستنجح هذه القافلة في الوصول إلى غزة وكسر الحصار، أم أنها ستنضم إلى سلسلة المحاولات السابقة التي انتهت بالترحيل أو الدم؟
في كل الأحوال، يظل صوت “الصمود” عالياً، مدعوماً بآمال الشعوب وتطلعاتها، وإن كان محفوفاً بمخاطر البحر وقوة الاحتلال.