مقالات

السيد التيجاني يكتب: باكستان بين غضب الطبيعة وضغط الاقتصاد

تشهد باكستان منذ عقود كوارث طبيعية متكررة، لكن الفيضانات الموسمية على وجه الخصوص باتت تمثل التحدي الأكبر أمام الدولة والمجتمع.

ففي كل عام تقريباً، تضرب الفيضانات أجزاء واسعة من البلاد، مخلفةً وراءها آلاف الضحايا، وأضراراً جسيمة في البنية التحتية، فضلًا عن خسائر اقتصادية وزراعية هائلة.

ومع تغيّر المناخ وازدياد شدة الأمطار الموسمية، باتت هذه الكارثة أكثر تكراراً وأوسع أثراً، الأمر الذي يضع باكستان أمام معركة صعبة في مجال إدارة الكوارث والتخطيط التنموي.

حجم الكارثة الإنسانية

الفيضانات في باكستان لا تقتصر على كونها ظاهرة طبيعية موسمية، بل تتحول إلى مأساة إنسانية ذات أبعاد واسعة.

ففي غضون أيام قليلة، يمكن أن تتسبب في تشريد مئات الآلاف من المواطنين، معظمهم من المناطق الريفية الفقيرة. هؤلاء السكان يفقدون منازلهم ومصادر رزقهم، ليجدوا أنفسهم في مراكز إيواء مؤقتة أو في العراء، معرضين للأمراض والأوبئة.

الأطفال والنساء هم الأكثر تضرراً، حيث تعيق الفيضانات وصولهم إلى الغذاء والرعاية الصحية، وتزداد معدلات سوء التغذية والأمراض المنقولة بالمياه كالملاريا والتيفوئيد والكوليرا.

كما أن انقطاع الطرق ودمار الجسور يعقّد عمليات الإغاثة ويبطئ وصول المساعدات الإنسانية.

الأثر الاقتصادي المباشر

تُعد الزراعة القطاع الأكثر تضرراً، حيث تدمر السيول الحقول، وتجرف معها المحاصيل، وتقتل الماشية. وباعتبار أن الزراعة تشكل العمود الفقري للاقتصاد الريفي وتوظف نسبة كبيرة من القوى العاملة، فإن الأضرار تمتد سريعاً إلى الأمن الغذائي الوطني.

كذلك، تؤدي الفيضانات إلى تدمير البنية التحتية من طرق وجسور وشبكات كهرباء، مما يزيد من كلفة إعادة الإعمار.

وفي كثير من الحالات، تعاني الحكومة من عجز مالي يحد من قدرتها على الاستجابة الفورية، وهو ما يضطرها لطلب مساعدات دولية عاجلة.

الأبعاد الاجتماعية والسياسية

الكوارث الطبيعية تترك آثاراً عميقة على النسيج الاجتماعي. ففي القرى المدمرة، يضطر السكان للنزوح نحو المدن، مما يخلق ضغطاً سكانياً إضافياً ويؤدي إلى أزمات سكن وخدمات.

كما أن فقدان مصادر الرزق يولّد إحباطاً اجتماعياً قد يتحول إلى احتجاجات ضد الحكومة.

من الناحية السياسية، تُختبر قدرة الدولة على إدارة الأزمات. فإذا كانت الاستجابة بطيئة أو غير فعّالة، فإن ذلك يضعف ثقة المواطنين بالحكومة، ويؤدي إلى انتقادات محلية ودولية.

في المقابل، فإن استجابات منسقة وفعّالة قد تعزز صورة الدولة وتؤكد التزامها بحماية مواطنيها.

الصحة العامة والتحديات الوبائية

بعد انحسار المياه، تبدأ مرحلة جديدة من الكارثة، إذ تزداد احتمالات انتشار الأمراض الوبائية نتيجة تلوث مياه الشرب وتجمع البرك المائية. وقد أشارت تقارير طبية في باكستان إلى أن آلاف الحالات من الإسهال الحاد والملاريا تظهر بعد كل موجة فيضانات.

كما تتضرر المرافق الصحية بشكل مباشر، حيث تُغمر بعض المستشفيات بالمياه أو تتوقف عن العمل بسبب انقطاع الكهرباء، ما يضعف الاستجابة الطبية ويضاعف المخاطر على السكان.

التحديات البيئية

تترك الفيضانات آثاراً طويلة المدى على البيئة. إذ تؤدي إلى تآكل التربة، وانجراف الأراضي الزراعية الخصبة، وتلوث مصادر المياه بالمواد الكيميائية والنفايات.

كما تؤثر على التنوع البيولوجي، حيث تجرف معها الغابات والمراعي، وتُعرّض الحياة البرية للخطر. هذه التغيرات البيئية بدورها تعمّق أزمة المناخ وتزيد من هشاشة المناطق المتضررة في المستقبل.

الدور الحكومي والدولي

رغم محدودية الموارد، تبذل الحكومة الباكستانية جهوداً لمواجهة آثار الفيضانات. فقد أنشأت الهيئة الوطنية لإدارة الكوارث (NDMA) بالتعاون مع الإدارات الإقليمية، لتنسيق عمليات الإغاثة والإنقاذ.

كما يتم نشر القوات المسلحة بشكل دوري للمساعدة في إنقاذ المتضررين وإيصال المساعدات.

لكن هذه الجهود تظل غير كافية أمام ضخامة الكارثة. لذلك تعتمد باكستان بشكل كبير على المساعدات الدولية، سواء من الأمم المتحدة أو الدول الصديقة مثل تركيا والصين ودول الخليج، التي تقدم دعماً إنسانياً وإغاثياً ولوجستياً.

الحلول والاستراتيجيات المستقبلية

تؤكد الخبرات المتراكمة أن باكستان بحاجة إلى خطة طويلة الأمد للتعامل مع الفيضانات، بدلاً من الاكتفاء بالاستجابات الطارئة. وتشمل هذه الخطة:

تعزيز البنية التحتية المائية عبر بناء سدود وخزانات جديدة، مثل مشروعي ديامر بهاشا ومومند، لتخزين المياه وتقليل مخاطر الفيضانات.

تحسين أنظمة الإنذار المبكر لتمكين المجتمعات من الاستعداد بشكل أفضل قبل الكارثة.

إعادة تأهيل شبكات الصرف في المدن والمناطق الريفية لتسهيل تدفق المياه وتقليل تجمعها.

الاستثمار في الزراعة الذكية مناخياً لمساعدة المزارعين على مواجهة آثار تغير المناخ.

توسيع برامج التوعية العامة لزيادة وعي السكان بخطورة الكوارث وأساليب الوقاية منها.

البُعد المناخي العالمي

الفيضانات المتكررة في باكستان لا يمكن فصلها عن ظاهرة التغير المناخي العالمي. إذ تتسبب الانبعاثات الحرارية وارتفاع درجات الحرارة في زيادة حدة الأمطار الموسمية وذوبان الأنهار الجليدية في شمال البلاد، ما يؤدي إلى فيضانات أكثر عنفاً.

هذا البُعد يجعل القضية ليست محلية فحسب، بل جزءاً من التحديات العالمية المشتركة، ويضع على المجتمع الدولي مسؤولية دعم الدول النامية المتأثرة بالمناخ.

باختصار تشكل الفيضانات في باكستان تحدياً معقداً يتجاوز البعد الطبيعي ليشمل أبعاداً إنسانية واقتصادية وسياسية وبيئية. ومع تزايد التغيرات المناخية، ستظل هذه الكوارث تتكرر، وربما بوتيرة أشد في المستقبل.

لذلك فإن الحل يكمن في الجمع بين الاستجابة السريعة على المدى القصير، والتخطيط الاستراتيجي طويل الأمد، مع تعزيز التعاون الدولي لمساعدة باكستان على بناء قدراتها في مواجهة هذه الكارثة المتجددة.

وفي النهاية فإن حماية الإنسان، وتأمين سبل العيش، وضمان استدامة الموارد الطبيعية، يجب أن تبقى في صميم أي سياسة حكومية لمواجهة الفيضانات، حتى تتحول هذه الكارثة من عبء دائم إلى فرصة لتعزيز البنية التحتية والتنمية المستدامة في البلاد.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى