حصار كشمير الذي لا ينتهي

سايرا سامو
بعد ثمانية وسبعين عامًا من تقسيم الهند البريطانية، لا يزال كشمير نزاعًا عالقًا يُفاقم التوتر في العلاقات الإقليمية. إنه ليس مجرد نزاع إقليمي بين جارتين نوويتين؛ بل هو مأساة معاناة إنسانية وفشل سياسي.
ما بدأ عام ١٩٤٧ كنزاع على الانضمام تطور إلى محنة لا تنتهي من الحصار والتطهير العرقي، مما حرم أجيالًا من الكشميريين من حياة طبيعية وكرامة وأمل في حياة سلمية.
في أغسطس/آب 2019، ألغى حزب بهاراتيا جاناتا الحاكم في الهند المادتين 370 و35أ من دستوره، مما أدى فعليًا إلى تفكيك وضع الحكم شبه الذاتي الذي تمتعت به جامو وكشمير منذ الاستقلال. وقد احتفى القوميون الهندوس في الهند بهذه الخطوة باعتبارها عملاً “تكامليًا” وانتصارًا للوحدة.
إلا أنها في الواقع كانت خدعة دستورية حوّلت مشكلة سياسية إلى مشكلة عسكرية. واليوم، تُعدّ المنطقة من أكثر المناطق تسليحًا على وجه الأرض، ويعيش سكانها في ظلّ رقابة وشكوك وخوف.
للإنصاف، لطالما جادلت نيودلهي بأن إجراءاتها في كشمير تهدف إلى كبح جماح الانفصالية والإرهاب. لكن هذه الوسائل كانت كارثية.
لا يمكن ادعاء كسب القلوب والعقول بفرض إغلاق كامل على شعب بأكمله أو بتحويل المدارس والمستشفيات إلى مستعمرات. لم تُسفر بنادق الخرطوش والاعتقالات التعسفية والتعتيم الإعلامي إلا عن عزلة.
لطالما ارتبط موقف باكستان من كشمير باهتمامها الأخلاقي والإنساني بالشعب الكشميري. إلا أن الاضطرابات التي شهدتها المنطقة على مدى عقود خلت قد تسببت في معاناة هائلة وتشريد أعداد لا تُحصى من الناس.
في هذا السياق، يجب أن يظل دعم باكستان الدبلوماسي والمعنوي المتواصل راسخًا في مبادئ العدالة والإنسانية. وبينما تواصل باكستان مناصرة قضية تقرير المصير، فإن تعقيد الصراع يدعو أيضًا إلى التأمل.
أكبر الخاسرين في هذه الملحمة الطويلة هم الكشميريون العاديون – رجالاً ونساءً وأطفالاً عاشوا حياتهم كلها تحت حظر التجول ونقاط التفتيش والاحتلال.
ولا يزال حصولهم على التعليم والرعاية الصحية والعمل محدوداً للغاية. وتُطغى على أصواتهم الخطابات القومية على جانبي الحدود. تزعم الهند زوراً أن كشمير “جزء لا يتجزأ” من اتحادها،
بينما تُصرّ باكستان على أنها لا تزال “أجندة التقسيم غير المكتملة”. كلاهما مُصيب في مفهومه المحدود، وكلاهما مُخطئٌ خطأً فادحاً في تجاهل أن كشمير، قبل كل شيء، هي كشمير.
يتحمل المجتمع الدولي بدوره نصيبه من المسؤولية. فبعد إصداره قرارات أممية متعددة تؤكد حق كشمير في تقرير المصير، تراجع إلى حد كبير في حالة من اللامبالاة. ويعود قلق العالم إلى الظهور لفترة وجيزة بعد كل حلقة عنف، ثم يتلاشى مجددًا في صمت.
ولم تتمكن الأمم المتحدة من إنفاذ قراراتها؛ إذ تُفضل القوى الكبرى شراكات مربحة مع الهند على قضايا حقوق الإنسان المُقلقة.
ما هي الإجراءات التي ينبغي اتخاذها لحل هذه القضية؟ الخطوة الأولى هي استعادة شعب كشمير لاستقلاليته السياسية. إن تعليق الديمقراطية المحلية واستمرار اعتقال القادة السياسيين أمرٌ غير مقبول في أي مجتمع يدّعي الديمقراطية.
ثانيًا، يجب على الهند أن تسمح للمراقبين والصحفيين المستقلين بالعمل بحرية في المنطقة؛ فالحقائق لا ينبغي أن تخشى التدقيق. ثالثًا، يجب على باكستان أن توازن موقفها من قضية كشمير مع الاهتمام المتساوي بالإصلاح والتنمية الداخلية. لا يمكن صياغة مستقبل كشمير من خلال الخطابات الجامحة، ولا بسلاح أيٍّ من الجانبين.
في نهاية المطاف، يتوقف السلام في جنوب آسيا على الاعتراف بالحقائق المُقلقة. كشمير ليست جائزةً تُنتزع، بل هي مشكلةٌ يجب حلها. ولن تُحل بالتظاهر الوطني أو العاطفة الدينية، بل بالاعتراف بالكرامة الإنسانية الأساسية والعدالة السياسية. يستحق شعب كشمير أكثر من مجرد التعاطف؛ إنهم يستحقون السيادة على حياتهم.
إلى أن يحدث ذلك، ستظل كلٌّ من الهند وباكستان تدفعان ثمن الحذر، والإنفاق العسكري، والتدهور الأخلاقي الناجم عن حرمان الملايين من العدالة. قد يُشيح العالم بنظره، لكن التاريخ لن يفعل.!



