مذبحة غوكادال في 21 يناير 1990: رواية أحد الناجين

بقلم: إيما أفراز
في صباح يوم 21 يناير/كانون الثاني 1990 البارد، غادر فاروق أحمد واني منزله لا كمتظاهر، بل كمهندس في قسم هندسة الصحة العامة، ساعيًا للحصول على تصريح تجول خلال فترة حظر التجول لحل أزمة المياه في سريناغار.
وبحلول الظهيرة، كان الناجي الوحيد من مجزرة جسر غوكادال، حيث قُتل 53 كشميريًا برصاص قوات الاحتلال الهندية فيما وصفه الناجون بأنه قتل جماعي متعمد.
انضم واني إلى موكبٍ بالصدفة، نظّمه السكان المحليون عقب مداهماتٍ عنيفة شنّها الجيش الهندي الليلة السابقة في سوق تشوتا، حيث تعرّض السكان للضرب والاعتقال، وأُفيد عن تعرّض النساء للاعتداء. وسار الحشد – رجال ونساء يهتفون “هم كيا شاهتاي، آزادي” و”إسلام زنداباد” – غاضبين. وبحثًا عن الأمان، وقف واني بالقرب من النساء.
يتذكر قائلاً: “بمجرد أن وطأت أقدامنا جسر غوكادال، سمعتُ طلقة نارية واحدة. وبعد ثانيتين، انطلقت مئات الرصاصات”. اجتاح إطلاق النار الجسر عشوائياً.
وصرخ الناس بينما أصابت الرصاصات صدورهم وأرجلهم وبطونهم. وفي خضم الفوضى، حاول واني القفز في نهر جيلوم، لكن رجلاً أطول منه دفعه وقفز أولاً. سقط واني على وجهه وتظاهر بالموت. استمر إطلاق النار لخمس دقائق. وعندما توقف، كان الجسر مليئاً بالجثث والجرحى.
راقب واني، بعينين نصف مغمضتين، قائد فصيلة -متميز بثلاث نجوم- وهو يوجه القوات لإتمام المهمة. يقول: “كانوا يصوبون نحو رؤوس الناس. كانوا يبحثون عن أي ناجين ويقتلونهم”. أعدم الجنود الجرحى بشكل منهجي، ثم جمعوا فوارغ الطلقات كما لو كانوا يمحون الأدلة.
أجبرتْ شعلةٌ مشتعلةٌ واني على النهوض. نبّه جنديٌّ القائدَ قائلًا: “سيدي، هذا حيّ”. توسّل واني، مُعرّفًا بنفسه كمهندسٍ مُناوب. سخر الضابط قائلًا: “هل تريد باكستان؟ هل تريد الإسلام؟”
وأطلق عليه عدّة رصاصات. سقط واني أرضًا، مُتيقنًا من موته. عندما تقدّم جنديٌّ آخر لإطلاق رصاصةٍ أخيرة، أوقفه القائد قائلًا: “لا تُهدر رصاصاتك، لقد أطلقتُ عليه النار عدّة مرّاتٍ بالفعل”.
نجا واني، وعزا نجاته إلى مشيئة الله. وتُعد شهادته سرداً صارخاً ومفجعاً ليوم يقول الكشميريون إنه دشّن عهداً طويلاً من الإفلات من العقاب والعنف المؤسسي للدولة.
الخلفية وعامل جاغموهان
لم تقع مذبحة غوكادال بمعزل عن الأحداث الأخرى، بل حدثت بعد أيام قليلة من فرض حكم الحاكم في جامو وكشمير المحتلة، ما جعل الولاية تحت سيطرة نيودلهي المباشرة. وكان الحاكم جاغموهان، الشخصية المثيرة للجدل والمعروفة بآرائه القومية الهندوسية المتشددة، على رأس السلطة.
بحسب ناشطين كشميريين، مثّل تعيين جاغموهان تحولاً استراتيجياً: إذ سيحلّ استخدام القوة الغاشمة محلّ الحوار السياسي. ويوضح أحد المراقبين السياسيين الكشميريين: “كان يتمّ تجهيز أجهزة الدولة لحلّ عسكري لمشكلة سياسية. وستشهد فترة ولايته بعضاً من أسوأ انتهاكات حقوق الإنسان في تاريخ كشمير الحديث”.
في غضون أسابيع، ستمنح إدارته قوات الأمن صلاحيات واسعة بموجب قانون الصلاحيات الخاصة للقوات المسلحة، مما يضفي الشرعية فعلياً على الإفلات من العقاب الذي ظهر في غوكادال.
الخروج والعمارة العسكرية
وقعت المجزرة في خضم نزوح جماعي للكشميريين الهندوس من الوادي. وبينما يصوّر السرد الرسمي هذا النزوح على أنه هجرة قسرية بسبب التهديدات، يرى مراقبو الشأن الكشميري أن هذا النزوح كان مُدبّراً بشكل منهجي لخدمة غرض استراتيجي.
يقول فاروق واني: “كان التوقيت مناسباً للغاية. فمع إبعاد عائلات البانديت، أصبح للجيش حرية التصرف. ولن تكون هناك أصوات هندوسية محلية تُعقّد الرواية، ولن تكون هناك أحياء مختلطة تتطلب تمييزاً دقيقاً”.
أصبحت منازل البانديت الفارغة ثكنات ومراكز استجواب. تمزق النسيج الاجتماعي الذي ربط المجتمعات ببعضها لقرون فجأة، تاركاً فراغاً سارعت القوة العسكرية لملئه.
بداية عهد الإفلات من العقاب
أرست مذبحة غوكادال سابقة ستظل تطارد كشمير لسنوات. وما تلاها كان نمطاً ممنهجاً من المجازر والإعدامات خارج نطاق القضاء والاختفاء القسري في جميع أنحاء كشمير المحتلة.
كانت هذه المجزرة أول عملية قتل جماعي من نوعها في كشمير. وقد شكّل هذا اليوم حافزاً لعمليات القتل الجماعي الممنهجة وجرائم الحرب التي ارتكبتها الهند في السنوات اللاحقة.
كان الإفلات من العقاب فوريًا. تم تقديم بلاغ رسمي، لكن ضابط التحقيق لم يجد أي دليل على انتهاكات حقوق الإنسان. أُغلقت القضية. يتساءل واني: “قُتل 53 شخصًا في ذلك الموقع ولم يُعثر على أي دليل؟ هذا ما يُسمى إبادة جماعية.”
عبء الناجي
يعيش واني اليوم مثقلاً بالندوب الجسدية والعبء النفسي لكونه الشاهد الوحيد على فظائع بالكاد تُذكر في السجلات الرسمية. حاول التعرف على القائد – “ما زلت أتذكر وجهه بوضوح والنجوم الثلاثة على زيه العسكري” – لكن البيروقراطية العسكرية لم تقدم أي إجابات.
يقول واني: “حاولت تتبعه لمعرفة من كان المسؤول في ذلك اليوم، لكنني لم أتمكن من العثور على أي إجابات”.
ويعزو نجاته إلى مشيئة الله: “كانت مشيئة الله أن يبقيني على قيد الحياة وأن أشهد على المذبحة”.
لكن ما الغاية من هذه الشهادة؟ لم ينل الضحايا أي عدالة. ولا يزال الجناة مجهولين. لقد أصبح العنف الممنهج الذي بدأ في ذلك اليوم أمراً مؤسسياً وعادياً.
مستقبل الحرية؟
لا يزال إيمان واني بالتحرر النهائي راسخًا، حتى مع إقراره بأنه قد لا يتحقق في حياته. يقول: “سننال الحرية إن شاء الله. ليس في جيلي، وربما ليس في جيلكم، لكننا سنخرج من هذا القمع يومًا ما”.
تُشكل شهادته إدانةً لنظامٍ قائمٍ على الإفلات من العقاب. لم تكن مذبحة غوكادال حالةً شاذةً، بل نموذجاً يُحتذى به: لكيفية قمع الاحتجاجات بالقوة المميتة، وكيفية إسكات الناجين، وكيفية تحريف التحقيقات، وكيفية إخضاع شعبٍ بأكمله لعنفٍ ممنهجٍ بينما يغض العالم الطرف.
مع اقتراب كشمير من ذكرى الحادي والعشرين من يناير، يقف جسر غوكادال شاهداً على مأساةٍ مروعة، ورمزاً للتحذير في آنٍ واحد. صحيحٌ أن المجزرة حصدت أرواح 53 شخصاً، إلا أن ثمنها الحقيقي يُقاس بالأرواح التي لا تُحصى والتي تضررت بفعل ثقافة الإفلات من العقاب التي أرستها. أما بالنسبة لفاروق أحمد واني، الناجي الوحيد، فإن عبء الذكرى يُشبه حكماً مؤبداً لا مفر منه.



